مقالات

محمد كامل العيادي يكتب: أمريكا وصراع الهيمنة

تُرسّخ الولايات المتحدة الأمريكية مفهوم الهيمنة العالمية المطلقة، مستخدمةً الأسلوب الاستعراضي، الذي اعتاد عليه العالم، منذ زمن القضاء على الهنود الحمر، وما حدث مؤخرًا مع فنزويلا، واستهداف الرئيس “نيكولاس مادورو”، الذي وقف بشدة داعمًا للقضية الفلسطينية، في الفترة السابقة، خاصة في الحرب على غزة، وأكد في كلمة له خلال المؤتمر العالمي، للتضامن مع فلسطين، أن فلسطين هي ضمن قائمة القضايا الإنسانية، وأن للفلسطينيين حقًا في الاستقلال، والسلام، والسيادة الكاملة، متعهدًا بأن تكون فنزويلا حكومة، وشعبًا، سيكونون دائمًا إلى جانب الشعب الفلسطيني، وأضاف إنني على يقين أنه سيأتي اليوم الذي يُرى فيه الجميع منتصرين في شوارع فلسطين، وهذا التصريح أثار حفيظة أمريكا، والكيان الصهيوني، فدبروا بليل، حتى تم التنفيذ.
ومن الأسباب الواضحة وراء استهداف “مادورو”، هو عدم خضوعه التام لإملاءات الإدارة الأمريكية، وعدم امتناعه عن كثرة معارضة سياساتها، وبيان تضامنه مع القضية الفلسطينية، وهذا ليس جديدًا على أمريكا؛ في القضاء على كل من يعارض سياستهم، فهو بالنسبة لـ”ترمب” عدو لهم، وقد فعل هذا من قبل الرئيس الأمريكي “ترومان” الذي أرغم ثلاث عشرة دولة على الموافقة على مشروع قرار تقسيم فلسطين عام 1947م، بعد أن كانت معارضة له تمامًا، فبالتالي، ما يجري اليوم هو امتداد لسياسة معادية للحرية، والقضايا الوطنية، والقومية في أي مكان، وضد أي دولة، وهذا ما حدث في دول عديدة مثل العراق، وفلسطين، وليبيا، وسوريا المحاطة بسياج صهيوني.
لدى أمريكا أهداف متعددة، سياسية، واقتصادية، وما فعلته في أوكرانيا ومطالبتها بنصف عائداتها البالغة 540 مليار دولار، يُعد استعمارًا اقتصاديًا، وهذا لا يصدر إلا عن سلوك متسلط، وغرور واضح، والسعي إلى ترسيخ مفهوم الإمبراطورية العظمى، على غرار الإمبراطورية الرومانية القديمة، التي سيطر عليها الغرور، ولكن إلى أين انتهت تلك الإمبراطورية؟
في عام 1917م، قاد الرئيس الأمريكي “وودرو ويلسون” بلاده إلى الحرب العالمية الأولى، مُنددًا بألمانيا لتخليها عن الممارسات الإنسانية، وفي الحرب العالمية الثانية، حين كان “فرانكلين روزفلت” رئيسًا للولايات المتحدة، تحدث بفخر عن معركة الديمقراطية التي تقودها بلاده ضد غزو العالم، ولكن في الحقيقة أن أصحاب القوى العظمى، دائمًا ما يصورون أفعالهم، بأنها تصب في مصلحة الحرية، والديمقراطية، لكنها تمهد الطريق للديكتاتورية القبيحة، وانظر إلى ما قاله “ترمب” في خطابه؛ توضيحًا لاعتقال “مادورو”: “لا يمكن لأي دولة أن تفعل ما فعلته قواتنا في اعتقال الرئيس الفنزويلي، وهذه رسالة إلى العالم كله، وإلى كل من يهددنا؛ ولن نسمح لأي أحد يهددنا أو يقوم باستضافة أي من خصومنا”، فهذا حديث ينم عن عنجهية عالية، وغرور، وصلف شديد، وإشارة إلى أن الجميع خدام لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ومن يفعل غير ذلك، فمصيره هو مصير “مادورو”.

وسعي الولايات المتحدة للهيمنة ليس وليد اليوم، بل هو منذ القِدم؛ ففي حقبة الستينيات، وقفت أمريكا داعمة للدكتاتورية الفيتنامية الجنوبية التي كان يقودها “نغو دينه ديم”، وقد هيمن “ديم” على الجيش، وقمع المعارضة، ونشر الفساد والمحسوبية، حتى انقلب عليه الجنرال “وين ﭬان ثيو” الذي تولى الحكم بعد انقلاب عسكري عام 1963م.
تحت مسمى ‘الحرية للشعوب’، تُرتكب مجازر بحق الأبرياء، كما حدث في العراق، حيث قُتل ما يقارب المليون شخص، وفي كمبوديا التي أسفر قصف الولايات المتحدة عليها عن مقتل ما يصل إلى 500 ألف، تتكرر مثل هذه الجرائم التي يكون دافعها الأساسي هو الهيمنة الاقتصادية وتأمين مساحة جغرافية كافية لضمان السيطرة في حال نشوب حرب مستقبلية، فما يجري حالياً في اليمن، ولبنان، وسوريا، هو مؤشر واضح على احتمالية نشوب صراع مع إيران، لذلك حدث ما حدث في فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطات نفطية، وبالتأكيد لن تترك الصين وروسيا وكوريا الساحة لأمريكا وحدها. فهل سينطبق المثل “ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع” على الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم أنها ستزيد قبضتها على العالم؟ يبدو أنها تسير بسرعة فائقة نحو الهاوية لتسلم القمة للصين، بعد أن تكون سببًا واضحًا في حرب عالمية ثالثة. وغدٌ لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى