مقالات

محمود عبد العظيم يكتب: كرة القدم… من وسيلة ترفيه إلى ساحة صراع

ذات يوم، كنا ننتظر صافرة البداية لننسى هموم الحياة، نفرح بهدف ونصفق لمهارة، نضحك على هفوة حارس، كانت كرة القدم ببساطة، استراحة قصيرة من ضغوط الواقع، وملجأ نلجأ إليه لنهرب من صخب الحياة.

كان من المفترض أن تكون كرة القدم نزهة العقل بعد عناء، وملاذ النفس حين تشتد عليها دوائر الحياة،  وُلدت لتمدّ يدها للناس في لحظات الفراغ، تمنحهم معنى بسيطًا للسعادة، وتعلمهم أن الفرح قد يأتي من هدف مباغت في الدقيقة التسعين. كانت فسحة، لا ساحة حرب. متعة، لا وقودًا للعصبية.

لكن شيئًا ما تغيّر…

السنوات تغيّرت، ومعها تغيّر وجه الكرة. تحوّلت من لعبة تُمارَس في الأحياء الشعبية، وتُشاهد بقلوب الأطفال المتطلعة خلف الشاشات الصغيرة، إلى ساحة ضخمة تبتلع القلوب وتُشعل النفوس. أصبح المشجع يتقمّص دور المدرب، والإداري، والمستثمر، وصاحب القرار، وهو في الحقيقة لا يملك تذكرة الدخول لناديه المفضل، ولا يستطيع أن يلمس جدرانه دون أن يمر بسلسلة من الحواجز والرسوم.

وحده المتفرج من يدفع، وحده من يعلو صوته، وحده من يخسر… الوقت، والهدوء، والعلاقات.

توارى الهدف الحقيقي خلف ضباب الضجيج، وصار زمن المباراة أداة لتأجيج الخصومة بدل أن يكون لحظة من السلام الذهني. اختفت البسمة التي كانت ترتسم على وجه أبٍ يضحك مع أبنائه في حضرة مباراة، وحلّ مكانها صراخ يكسر سكون البيوت، وشتائم تشقّ جدران العلاقات بين الأصدقاء والجيران وزملاء العمل.

لم تعد الكرة لعبتنا، اللاعبون يتقاضون الملايين، والأندية تحصد الأرباح، والإعلانات تنهال كالمطر، فيما المتابع يزداد فقرًا في روحه، يستهلك أعصابه في مباراة لا تؤثر فيها صرخته ولا يغيّر نتيجتها غضبه.

ولم يتوقف الانحدار عند حدود المستطيل الأخضر، بل امتدّت شظاياه إلى الشاشات، حيث تتناسل البرامج الرياضية كالمطر، لا لتُحلل الأداء، بل لتصبّ الزيت على نار التعصب، جلس المتفرج لا ليشاهد هدفًا أو يستمع لتحليل نزيه، بل ليترصّد التصريحات، ينتظر الضيوف لا ليستفيد، بل ليتخذ من كلماتهم شرارة لشتيمة جديدة، أو مادة لصراع افتراضي.

أصبحت ليالي المباريات لا تنتهي عند صافرة النهاية، بل تبدأ بعدها جولة أخرى من العصبية، والجدل، والتشكيك، والسباب، يحصد الضيوف ما لذّ وطاب من الأجور، وينصرفون إلى بيوتهم في سلام، بينما يبقى المتفرج حبيس شاشة، وحبيس مشاعر مشتعلة، يخرج منها خاسرًا: في وقته، وفي علاقاته، وفي صفاء نفسه.

لقد تمددت اللعبة حتى ابتلعت المساء بأكمله، وباتت كل دقيقة تمرّ في عالم الكرة تُخصم من راحة البال، لا تضاف إلى رصيد المتعة.

في الملاعب الأوروبية، تغنّت الجماهير بأنديتها في الحزن والفرح، وغادروا المدرجات وقلوبهم كما دخلوا: ممتلئة بالحب، لا بالكره. هناك، يدرك الناس أن الرياضة لا تهدم، بل تبني. لا تفرّق، بل تجمع.

أما هنا، فقد تحوّلت الكرة إلى مرآة مشوّهة نرى فيها ما تبقى من غياب العقل، وموت الروح الرياضية.

صار واجبًا أن نعيد الأمور إلى نصابها، أن نسترد الكرة من نار التعصب إلى برد المتعة. أن نتذكر أنها جاءت ترفيهًا، لا تكليفًا. وأنها لم تُخلق لتُراق فيها المشاعر وتُنتهك فيها العلاقات، بل لتُزهر في القلب ذكرى جميلة… لا ندمًا مؤلمًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى