مرتضى أبو عقيل: الثانوية العامة لم تعد اختبار معرفة فقط.. بل اختبار مهارة وعدالة قياس

كتبت: يوستينا أشرف
قال الصحفي مرتضى أبو عقيل، رئيس تحرير جريدة أخبار التعليم، إن الجدل السنوي المصاحب لنتائج الثانوية العامة لا يعكس فقط اختلاف مستويات الطلاب، بل يكشف عن أزمة هيكلية أعمق في فلسفة التقييم نفسها، مؤكدًا أن الامتحان في صورته الحالية لم يعد يقيس التحصيل العلمي وحده، بقدر ما يقيس قدرة الطالب على إدارة التوتر، والتعامل مع ورقة الامتحان، وتقديم معرفته تحت ضغط زمني ونفسي معقد.
وأوضح مرتضي أبو عقيل في تصريح لـه أن الدراسة التحليلية الشاملة التي أعدّها، بالاعتماد على رصد ميداني طويل داخل لجان الامتحانات، وشهادات الطلاب والمعلمين والمصححين، كشفت عن وجود فجوة ثلاثية الأبعاد داخل منظومة الثانوية العامة، تتمثل في عدم المواءمة بين ما يُدرَّس داخل الفصل، وما يُقاس داخل اللجنة، وما يستطيع الطالب تقديمه فعليًا في ظل ظرف امتحاني ضاغط، وهي فجوة تحوّل الامتحان من أداة قياس عادلة إلى اختبار نفسي وتقني في كثير من الأحيان.
وأشار إلى أن التحليل الكمي للدراسة أظهر أرقامًا مقلقة، حيث يفقد نحو 65% من الطلاب المجتهدين جزءًا معتبرًا من درجاتهم لأسباب غير معرفية، بينما ترجع 40% من أخطاء ورقة الإجابة إلى مشكلات تقنية في البابل شيت، وليس إلى ضعف الفهم، كما يعاني 70% من الطلاب من فشل في إدارة الوقت، ويواجه 85% درجات متفاوتة من القلق الامتحاني الحاد، بما يؤكد أن الأزمة ليست فردية أو استثنائية، بل هي أزمة قياس ممنهجة.
وأضاف “أبو عقيل” أن الامتحان الحالي بات يحمّل الطالب أعباءً مهارية ونفسية لم يُعدّ لها بشكل كافٍ، سواء في المدرسة أو عبر الخطاب المجتمعي، لافتًا إلى أن التركيز المفرط على الحفظ والمذاكرة التقليدية، مقابل إهمال التدريب العملي على شكل الامتحان، يمثل أحد أخطر أوجه الخلل، حيث يوجد فارق حاسم بين طالب يمتلك المعلومة، وطالب قادر على تحويل هذه المعلومة إلى درجة فعلية داخل اللجنة.
وأكد رئيس تحرير جريدة أخبار التعليم، علي أن الدراسة لم تتوقف عند تشخيص المشكلة، بل قدمت إطارًا علاجيًا عمليًا يتمثل في ما وصفه بـ«الحزمة التدريبية»، التي تهدف إلى سد الفجوة بين المعرفة والتقييم، من خلال تدريب الطلاب على تحليل ورقة الامتحان، وإدارة الوقت، والتعامل الصحيح مع البابل شيت، وفهم طبيعة الأسئلة المركبة، إلى جانب محاكاة حقيقية لأجواء اللجنة، بما يقلل من رهبة الامتحان، ويمنع إهدار الدرجات المستحقة.
وشدد على أن تطوير ثقافة الاستعداد للثانوية العامة لا يمكن أن يكون مسؤولية الطالب وحده، بل هو واجب تشاركي بين الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والجهات المعنية بالتقييم، محذرًا من خطورة الخطاب الإعلامي القائم على التهويل أو التخويف، لما له من آثار نفسية مدمرة، ومؤكدًا أن التوعية الحقيقية تقوم على الفهم الموضوعي لطبيعة الامتحان، لا على صناعة القلق.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن الثانوية العامة ستظل محطة مفصلية في حياة الطلاب، لكن العدالة الحقيقية فيها لن تتحقق إلا عندما يصبح الامتحان أداة لقياس الفهم، لا اختبارًا للقدرة على تفادي الأخطاء، معتبرًا أن إصلاح المنظومة يبدأ من الانتقال من سؤال «ماذا نُدرّس؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف نختبر بعدل؟».




