أخبار

دار الإفتاء من الجزائر: الزكاة ركيزة العدالة والتنمية في الفكر المالكي

 

في زمنٍ تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتبحث فيه المجتمعات الإسلامية عن صيغٍ عادلة تُوازن بين الروح والمادة، جاء الملتقى الدولي السابع عشر للمذهب المالكي في ولاية عين الدفلى بالجزائر ليؤكد أن فقه الزكاة ليس مجرد بابٍ في كتب الفقه، بل منظومة حضارية وتنموية شاملة تحفظ للإنسان كرامته، وللمجتمع توازنه، وللأمة وحدتها.
وفي هذا الإطار، شاركت دار الإفتاء المصرية في فعاليات الملتقى بوفدٍ رفيع المستوى، ممثلًا في فضيلة الدكتور محمود شلبي، مدير إدارة المراجعة الشرعية وأمين الفتوى، نيابةً عن فضيلة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الذي وجّه تحياته للمشاركين متمنيًا لهم التوفيق والسداد.

ملتقى علمي يجمع فقهاء الأمة حول منظومة الزكاة

انعقد الملتقى خلال الفترة من 21 إلى 23 أكتوبر 2025م تحت عنوان:

«منظومة الزكاة في المذهب المالكي: الأبعاد الحضارية والتنموية في ظل التحديات المعاصرة»،
بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين من مختلف الدول العربية والإسلامية.

وقد تميّزت فعاليات المؤتمر بمناقشات علمية معمّقة حول الزكاة في الفكر المالكي، ودورها في إعادة بناء الاقتصاد الإسلامي على أسسٍ من العدالة والمقاصد الشرعية.
وأكد الدكتور شلبي، في كلمته، أن هذا المؤتمر يُعدّ منبرًا للوعي والتجديد، وأن انعقاده في هذا التوقيت الدقيق الذي يشهد اضطرابًا اقتصاديًا عالميًا يعكس إدراكًا عميقًا لقيمة الفقه الإسلامي في معالجة مشكلات العصر.

الزكاة في الفقه المالكي.. عبادة تتجاوز المال إلى بناء الحضارة

استعرض ممثل دار الإفتاء المصرية مكانة الزكاة في المذهب المالكي، موضحًا أنها ليست مجرد شعيرة مالية، بل نظام حضاري متكامل له أهداف تنموية وإنسانية.
وأشار إلى أن فقهاء المالكية نظروا إلى الزكاة على أنها ركيزة من ركائز العمران البشري، فهي تزكي النفس وتطهّر المال، وتعيد توزيع الثروة بما يحقق التوازن بين الفرد والمجتمع.

وأضاف الدكتور شلبي أن الزكاة في الفقه المالكي تمثل نقطة التقاء بين العبادة الفردية والسياسة العامة للدولة، إذ تُسهم في ضبط حركة الاقتصاد، وتعزيز روح المسؤولية الاجتماعية، وتجسيد مبدأ الاستخلاف الذي أشار إليه الله تعالى في قوله الكريم:

﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7].

فهذه الآية كما أوضح تضع الإنسان أمام مسؤوليته الشرعية في أن المال ليس ملكًا مطلقًا، بل أمانة يجب أن تُدار بعدلٍ ورحمة.

البعد الحضاري للزكاة.. عدالة توازن بين الإنسان والمجتمع

أكد الدكتور شلبي أن البعد الحضاري في فقه الزكاة يتجلى في مقاصدها الكبرى، التي تُسهم في تحقيق التكافل الاجتماعي والعدالة الاقتصادية، والحد من الفوارق الطبقية.
فالزكاة كما أوضح أداة ربانية لإعادة توزيع الثروة بما يضمن الأمان الاجتماعي، ويُشيع روح الأخوة الإنسانية بين الناس، امتثالًا لقوله تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].

وأوضح أن المذهب المالكي تفرّد في تأصيل هذه المعاني عندما اعتبر الزكاة وسيلة إصلاح شامل، لا تُسهم فقط في إعانة المحتاج، بل في بناء بيئة اجتماعية مستقرة تقوم على التكافل والرحمة.

وأشار إلى أن المالكية ربطوا بين الزكاة وعمارة الأرض، معتبرين أن التنمية لا تكتمل إلا بإحياء مقاصد الزكاة في الاقتصاد، والتعليم، والعدل الاجتماعي، مؤكدًا أن «الزكاة ليست صدقة فردية فحسب، بل مشروع حضاري يحقق نهضة الأمة».

الزكاة كمحرّك اقتصادي وتنموي

من أبرز النقاط التي تناولها الدكتور شلبي في كلمته أن الزكاة، في تصورها الإسلامي والمالكي، ليست عبئًا على الاقتصاد بل قوة دافعة له.
فهي ترفع القدرة الشرائية للفقراء، وتُقلّل من حجم الفجوة بين الطبقات، وتشجع على العمل والإنتاج، لأنها تُوجّه جزءًا من المال العام نحو تمويل الأنشطة الإنتاجية ومساعدة العاطلين.
وأشار إلى أن الإسلام لم يكتفِ بالحض على إعطاء الزكاة للفقراء، بل جعل من مصارفها بندًا خاصًا لـ”العاملين عليها” و”في سبيل الله”، أي لدعم كل جهدٍ يُسهم في بناء المجتمع واستقلاله الاقتصادي.

واستشهد الدكتور شلبي بقول النبي ﷺ:

«من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (رواه البخاري).

مبينًا أن هذا الحديث يؤسس لمبدأ الأمانة الاقتصادية، الذي يُعد من أهم قواعد التنمية المستدامة في الإسلام.

الزكاة والأمن المجتمعي في الفكر المالكي

ولم يغفل الدكتور شلبي البُعد الأمني في منظومة الزكاة، حيث أكد أن تطبيق الزكاة بعدلٍ وشفافيةٍ يُسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار، إذ تُقلّل الزكاة من مظاهر الفقر التي تعدّ أحد أبرز أسباب الجريمة والانحراف.
وأوضح أن فقهاء المالكية ومنهم الإمام ابن رشد الجد في كتابه البيان والتحصيل تناولوا نموذج الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي عمّ عدله البلاد حتى لم يجدوا فقراء يأخذون الزكاة، وهو أبلغ مثال على أن الزكاة حين تُؤدى كما أراد الله تحقّق السلم الاجتماعي وتبني مجتمعات مزدهرة.

دار الإفتاء: شكرٌ وتقديرٌ للجهود الجزائرية في خدمة الفقه المالكي

وفي ختام كلمته، وجّه الدكتور محمود شلبي تحية تقدير إلى معالي الدكتور يوسف بلمهدي، وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري، مثمنًا حسن اختياره لموضوع الملتقى، وتنظيمه المتميز الذي أبرز عمق الفقه المالكي وقدرته على معالجة قضايا العصر.
كما عبّر عن امتنان دار الإفتاء المصرية برئاسة فضيلة الدكتور نظير محمد عياد لكل العلماء والباحثين المشاركين في الملتقى، داعيًا الله أن يجعل جهودهم في ميزان حسناتهم، وأن يوفقهم لتحقيق مقاصد الشريعة في التكافل الإنساني والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.

وأكد في ختام كلمته أن دار الإفتاء المصرية ستظل منفتحة على التعاون العلمي والفقهي مع المؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي، سعيًا لترسيخ روح الوسطية، وتجديد الفقه بما يحقق مصلحة الإنسان ويصون كرامته.

الزكاة.. طريق الأمة إلى العدالة والنماء

بهذا الحضور الفاعل لدار الإفتاء المصرية، أكّد الملتقى الدولي للمذهب المالكي أن الزكاة ليست عبادة ماضية، بل رؤية مستقبلية لبناء الإنسان والمجتمع.
فهي البوصلة التي تربط بين الغنى والفقير، والدولة والفرد، والدين والتنمية، لتقول للعالم إن الإسلام دين حضارةٍ وعدالةٍ ورحمةٍ، وأن فقه المالكية بما فيه من توازن وعمق سيظل شاهدًا على قدرة الشريعة على تحقيق العدالة الاجتماعية والنهضة الاقتصادية بروحٍ ربانيةٍ سامية.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى