أخبار

أكاديمية الأزهر تناقش قضايا الفقه التراثي الافتراضي في ضوء واقعنا المعاصر

كتب: مصطفى علي

في إطار حرص الأزهر الشريف على ترسيخ منهج التجديد المنضبط في الفكر الإسلامي، تنظم أكاديمية الأزهر العالمية ندوة علمية بعنوان: “مسائل الفقه التراثي الافتراضية التي وقعت في عصرنا الحاضر تأصيل وتخريج”، وذلك يوم الاثنين المقبل في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا بقاعة مؤتمرات الأزهر الحديثة.
تأتي الندوة بتوجيهات فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وتحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، في إطار الأنشطة العلمية الدورية التي تنفذها الأكاديمية لخدمة طلاب العلم والباحثين والأئمة، وتطوير أدواتهم الفكرية والبحثية بما يواكب تحديات العصر.

وقد أعلنت الأكاديمية أن الدعوة عامة لجميع المهتمين بالشأن الفقهي والفكري، سواء من الباحثين أو المتخصصين أو طلاب الدراسات العليا، في خطوة تعكس انفتاح الأزهر على النقاش العلمي المفتوح الذي يجمع بين الأصالة والتجديد.

تأصيل المنهج الفقهي وربط التراث بالواقع المعاصر

من جانبه، صرّح فضيلة الأستاذ الدكتور حسن الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية، بأن هذه الندوة تأتي ضمن رؤية الأزهر الشريف لتجديد الخطاب الديني وفق الثوابت الشرعية، لا وفق الهوى أو التجريب الفكري المنفصل عن الأصول.
وأكد أن الأزهر يعمل على بناء جيل من العلماء القادرين على الربط بين التراث الفقهي الأصيل وواقعنا المعاصر، من خلال دراسة المسائل التي ناقشها فقهاء التراث نظريًا، وتحقق وقوعها فعليًا في عصرنا الحديث نتيجة تطور العلوم والتكنولوجيا وتغير أنماط الحياة.

وأشار الدكتور الصغير إلى أن الهدف من الندوة هو تأصيل المنهج الأصولي والفقهي في التعامل مع المسائل الافتراضية القديمة، من خلال دراستها دراسة علمية تحليلية تقوم على التخريج الفقهي الصحيح، بما يساعد الباحثين على فهم كيفية استنباط الأحكام وتطبيقها في الواقع الجديد دون خروج عن ضوابط الشريعة أو مقاصدها.

قضايا افتراضية أصبحت واقعًا.. ودور العلماء في تجديد النظر الفقهي

وأوضح رئيس الأكاديمية أن الفقهاء الأوائل كانوا يتوسعون في طرح المسائل الافتراضية – أي القضايا التي لم تقع بعد ولكن يمكن تصور حدوثها لقياس الأحكام عليها عند وقوعها.
واليوم، مع التطور الكبير في ميادين الحياة الحديثة، تحققت بالفعل كثير من هذه القضايا، مثل: المعاملات الإلكترونية، وزراعة الأعضاء، وتأجير الأرحام، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الرقمية، والتأمين الحديث، وغيرها من النوازل التي تحتاج إلى اجتهاد جديد يقوم على تأصيل فقهي عميق.

وأضاف أن الأزهر من خلال أكاديميته العالمية يسعى إلى تخريج هذا النوع من الفقه التراثي القديم على وقائع معاصرة، ليقدم رؤية علمية رصينة تحفظ هوية الفقه الإسلامي، وتسد الباب أمام الفتاوى غير المنضبطة أو المتسرعة التي تثير الجدل بين الناس.

من المقرر أن يشارك في الندوة عدد من كبار العلماء وأساتذة الفقه وأصوله في جامعة الأزهر، من بينهم:

الأستاذ الدكتور محمود عبد الرحمن، أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة.

الأستاذ الدكتور السيد مهران، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بأسيوط.

وسيتناول العلماء المشاركون خلال الجلسة العلمية ضوابط النظر في المسائل الافتراضية التي وردت في كتب التراث، وكيفية التعامل معها عند تحقق وقوعها في الواقع الحديث، بالإضافة إلى أبرز التطبيقات المعاصرة لهذه المسائل في مجالات المعاملات، والعبادات، والطب، والتكنولوجيا.

كما سيتم بحث أثر هذه المسائل على منهجية الإفتاء والاجتهاد في العصر الحديث، بما يضمن أن تكون الفتوى المعاصرة متصلة بجذورها الشرعية ومنضبطة بمقاصد الشريعة، دون إفراط أو تفريط.

ندوة ضمن سلسلة الأنشطة العلمية الداعمة لتجديد الفكر الأزهري

وأشار الدكتور حسن الصغير إلى أن هذه الندوة تأتي ضمن سلسلة الندوات الشهرية التي تعقدها أكاديمية الأزهر العالمية، بهدف دعم مسيرة الأزهر في نشر العلم الوسطي الرصين، وتطوير مهارات الأئمة والباحثين في التعامل مع القضايا المعاصرة، وفق منهج علمي مؤصل على الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المعتبرين.

وأكد أن الأكاديمية تسعى من خلال هذه الأنشطة إلى تحقيق التكامل بين الجانب العلمي الأكاديمي والجانب الدعوي الميداني، بحيث يصبح الإمام أو الباحث قادرًا على مواجهة المستجدات الفكرية والاجتماعية بنضج علمي، وحجة شرعية، وفهم وسطي يحافظ على ثوابت الأمة ويخاطب عقل الإنسان المعاصر بلغة العصر ذاته.

يأتي هذا النشاط العلمي في سياق جهود الأزهر الشريف المتواصلة لتجديد الخطاب الديني تجديدًا رشيدًا منضبطًا، يقوم على منهج علمي أصيل لا يفصل بين التراث والمستقبل، ولا يساير الحداثة بلا ضوابط.
فالأزهر بقيادة الإمام الأكبر يرسخ مفهوم التجديد بوصفه استمرارية لا قطيعة، إذ يجمع بين أصالة الفقهاء الأوائل واحتياجات الواقع الحديث، واضعًا نصب عينيه هدفًا أسمى يتمثل في تجديد فهم الدين لا تغيير ثوابته.

نحو وعي فقهي معاصر منضبط

تمثل هذه الندوة حلقة جديدة في سلسلة الأنشطة العلمية التي تعكس وعي الأزهر العميق بدوره في بناء الفكر الإسلامي الرشيد، القادر على استيعاب المتغيرات دون أن يفقد صلته بالمبادئ الخالدة.
ومن المنتظر أن تفتح الندوة آفاقًا جديدة للباحثين والأئمة في كيفية التعامل مع النوازل المعاصرة وفق منهج فقهي أصيل يجمع بين العلم والاجتهاد، وبين النص والمقصد، وبين التراث والحاضر، في مشهد يعيد للأزهر مكانته كمنارة علمية عالمية تجمع بين الفكر والتأصيل، وبين الأصالة والتجديد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى