كتب :مصطفى علي
في زمن تتكاثر فيه التحديات الفكرية، وتتداخل فيه الخطابات المتناقضة حول الدين، وقف فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي جمهورية مصر العربية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، مخاطبًا عقول الباحثين وقلوب المفكرين خلال الندوة العلمية التي نظمتها كلية أصول الدين بجامعة الأزهر تحت عنوان “منهجية عرض صحيح الإسلام في المحافل الدولية تجربة ذاتية”.
كلمة المفتي جاءت بمثابة خريطة فكرية متكاملة، تضبط بوصلة الحوار الديني، وتعيد تعريف رسالة الإسلام في عالم مضطرب، مؤكدًا أن الأديان في جوهرها لم تكن يومًا سببًا للفرقة، بل كانت دومًا عاملًا للوحدة الإنسانية، لأنها تلتقي على قيم العدل والرحمة والصدق.
التحديات الفكرية أمام الدعوة الإسلامية المعاصرة
استهل فضيلته كلمته بالإشارة إلى حجم التحديات الفكرية التي تواجه الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، موضحًا أنها تتنوع بين الفكر الاستشراقي المتعصب الذي يسعى لتشويه صورة الإسلام، والفكر اللاديني الذي يدفع نحو الإلحاد والطعن في الوحي، فضلًا عن الفكر المتطرف الذي أنتج جماعات العنف والإرهاب، وشوّه وجه الدين الحنيف أمام العالم.
وأكد أن هذه التحديات أفرزت ظواهر مؤلمة، من أبرزها تصاعد موجات الإسلاموفوبيا وخطابات الكراهية والعنف العنصري، الأمر الذي يهدد الأمن الإنساني العالمي ويقوّض قيم التعايش المشترك، داعيًا إلى موقف علمي راسخ يقوم على كشف الزيف وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام في المحافل الدولية.
أوضح فضيلة المفتي أن المؤسسات الدينية الرسمية مطالبة بأن تكون لها أدوار فاعلة في المؤتمرات العالمية لتقديم الصورة الحقيقية عن الإسلام، من خلال منهجية علمية ترتكز على أسس فكرية واضحة، يأتي في مقدمتها ترسيخ ثقافة الحوار الديني والثقافي باعتبارها أساسًا لبناء الحضارات.
وأشار إلى أن المنهج الأزهري يمثل نموذجًا متوازنًا يجمع بين الأصالة والتجديد، مستمدًا من تراث علمي راسخ وتجربة تاريخية ممتدة، تُرسّخ قيم الرحمة والتسامح وتنبذ الغلو والتكفير.
الحوار الديني.. أساس البنيان الإنساني
وفي سياق حديثه عن أهمية الحوار في البناء الحضاري، شدّد المفتي على أن الله سبحانه وتعالى جعل الحوار وسيلة للتفاهم والتعايش بين الناس، لكن الواقع المعاصر يشهد تراجعًا في ممارسته، بعدما أصبح حكرًا على أصحاب توجهات فكرية محددة.
وأوضح أن الحوار الحقيقي هو الذي يقوم على البحث عن الحق بروح من الإنصاف والاحترام المتبادل، لافتًا إلى أن التاريخ الإنساني أثبت أن الحوار كان دائمًا البيئة التي تزدهر فيها العقول وتتلاقى فيها الرؤى للوصول إلى الصواب.
أكد فضيلته أن الأديان في جوهرها لم تكن يومًا سببًا للفرقة، بل قوة للوحدة الإنسانية، لأنها تلتقي جميعًا على قيم العدل والرحمة والصدق.
وشدّد على أن الحوار ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لضمان بقاء الإنسانية وتحقيق السلام العالمي، وأن تعزيز قيم التفاهم والتعايش هو السبيل لتصحيح الصورة المشوهة عن الأديان ومواجهة حملات التشويه.
كما أشار إلى أن التحديات التي تواجه الحوار تتنوع بين التطرف والغلو وإساءة استخدام التقنية وقطع الصلة بين الأجيال، ومحاولات إعادة تشكيل المجتمعات على أسس مادية خالية من الروابط الروحية والإنسانية.
عرض صحيح الإسلام.. رؤية علمية ومنهج رحمة
بيّن مفتي الجمهورية أن عرض الإسلام في المحافل الدولية لا يتحقق إلا من خلال رؤية علمية واعية ومنهج يقوم على الرحمة والحوار واحترام التنوع الثقافي والديني.
وأضاف أن الإسلام جاء بمنظومة متكاملة من القيم التي تحفظ للإنسان كرامته وتصون للمجتمع استقراره وتضمن للعالم أمنه وسلامه، مشيرًا إلى أن هذه القيم تجسدت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
المساواة والعدالة.. روح الرسالة المحمدية
استعرض فضيلته عددًا من الأحاديث النبوية التي تؤكد قيمة المساواة والعدل بين البشر، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم واحد، وأباكم واحد، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».
وأوضح أن الإسلام أبطل كل أشكال التمييز الطبقي والعنصري، وأقام ميزان الكرامة على أساس التقوى والعمل الصالح، مشيرًا إلى أن الإنسانية اليوم في حاجة ماسة إلى استلهام هذه القيم لإسقاط جدران الفرقة والانقسام.
التعارف الإنساني والحضاري.. رسالة الإسلام إلى العالم
أشار المفتي إلى أن مبدأ التعارف الإنساني والحضاري هو من أهم المبادئ الدينية في الإسلام، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾، موضحًا أن التعارف ليس مجرد معرفة سطحية بل هو تفاعل حضاري يسهم في بناء المجتمعات ودعم مسارات التنمية والاستقرار.
وحذر من النظريات العنصرية التي كرّست لفكرة صدام الحضارات، مشيرًا إلى أن المفكر الأمريكي هنتنجتون يتشابه في منطقه مع الجماعات الإرهابية، فكلاهما يرفض التعارف الإنساني ويكرّس للعنف والإقصاء.
مكانة المرأة في الإسلام.. تكريم وشراكة
وفي حديثه عن مكانة المرأة في الإسلام، أكد فضيلته أن الإسلام منح المرأة تكريمًا لم تعرفه حضارة أخرى، مستشهدًا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا».
وأوضح أن المرأة شريكة الرجل في البناء والعطاء، وأن قوامة الرجل ليست تسلّطًا بل مسؤولية ورعاية تحفظ للمرأة كرامتها، مؤكدًا أن أي فكر ينتقص من هذه المساواة هو فكر دخيل على الإسلام.
التطرف والإسلاموفوبيا.. وجهان لعملة واحدة
تناول فضيلة المفتي قضية الغلو والتطرف في فهم النصوص باعتبارها من أخطر آفات العصر، مبينًا أن هذه الجماعات المتطرفة خرجت عن منهج الوسطية الذي يميز الإسلام، مما أدى إلى انتشار خطابات الكراهية وتشويه صورة الدين.
وأشار إلى أن الإسلاموفوبيا في الغرب تمثل الوجه الآخر للتطرف، حيث تصوّر بعض التيارات اليمينية المسلمين كأعداء للإنسانية، وهو ما ينعكس في ازدياد جرائم الكراهية ضدهم.
وشدّد على ضرورة التكامل بين المحاور العلمية والتربوية والإعلامية والدينية لمواجهة هذه الظاهرة، معتبرًا أن التنسيق بين المؤسسات هو السبيل لتصحيح الصورة الذهنية عن الإسلام.
أكد فضيلة المفتي أن الحضارة الإسلامية قامت على مبدأ التوازن بين العقل والوحي، والمادة والروح، مشيرًا إلى أنها لم تكن حضارة صدام، بل حضارة تواصل إنساني مثمرة، نقلت الخير وأصلحت الخلل أينما وجد.
وأوضح أن الإسلام بريء من كل فكر يدعو إلى الكراهية أو العنف، لأن جوهر رسالته قائم على السلام والتعارف، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾.
تجديد الخطاب الدعوي.. ضرورة العصر
في ختام كلمته، دعا فضيلة المفتي إلى تجديد أساليب الدعوة وتطوير لغة التواصل، بحيث تُقدَّم الرسالة الإسلامية بأسلوب يناسب كل مجتمع وثقافة، مشيرًا إلى أن الدعوة في الإسلام لا تكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة.
وضرب مثالًا بتجربة واقعية من كينيا، حيث فُهم الخطاب الإسلامي بشكل مشوّه بسبب ضعف أدوات التواصل، مؤكدًا أن الإسلام لا يحمل ما يُخجل، وإنما يُساء فهمه حين يُعرض عرضًا ناقصًا أو متشددًا.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم