ملتقى الفكر الإسلامي في رحاب مسجد الحسين: منصة لإحياء القيم الروحية والوطنية

في ظل التحديات الفكرية المعاصرة، يظل ملتقى الفكر الإسلامي، الذي تنظمه وزارة الأوقاف خلال شهر رمضان، إحدى المبادرات الرائدة التي تعكس التوازن بين الأصالة والتجديد في الخطاب الديني. افتتح الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، هذا الملتقى بساحة مسجد الإمام الحسين (رضي الله عنه) عقب صلاة التراويح، بحضور نخبة من العلماء والمفكرين، في أجواء مفعمة بالإيمان والروحانية، حيث بات هذا الملتقى علامة مميزة لشهر رمضان في مصر، ومنبرًا لنشر الفكر المستنير وتعزيز القيم الأخلاقية والوطنية.
ملتقى الفكر الإسلامي.. بين الروحانية والتنوير
يأتي الملتقى هذا العام ليؤكد على دور الدين في تحقيق التوازن بين الروح والعقل، حيث ركزت وزارة الأوقاف على ثلاث قيم رئيسية في برامجها الرمضانية: الروحانية، والأخلاق، والوطنية. فالروحانية تُترجم من خلال تعزيز الارتباط بالقرآن الكريم وذكر الله، بينما الأخلاق تتجسد في سلوكيات المسلم خلال الشهر الفضيل، أما الوطنية فتتمثل في تعزيز قيم التضامن والانتماء وحماية المجتمع من التحديات الفكرية التي تهدد استقراره.
في كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور أسامة الأزهري أن ملتقى الفكر الإسلامي ليس مجرد فعالية موسمية، بل هو رسالة مستمرة تسعى لترسيخ مفاهيم الوسطية والاعتدال، بعيدًا عن التشدد والانغلاق الفكري، حيث قال:
“نحن أمام فرصة حقيقية لإحياء القيم الدينية التي تجمع بين الروحانية العميقة والتفكير المستنير، ليكون الإسلام كما أراده الله، دينًا يحث على مكارم الأخلاق، ويؤسس لحضارة إنسانية راقية”.
حضور مميز ونقاشات ثرية
شهد الملتقى حضور شخصيات بارزة من علماء الدين والمفكرين والأكاديميين، من بينهم الدكتور عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، والدكتور محمد مهنا، أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر، والدكتور ممدوح غراب، رئيس جامعة السادس من أكتوبر ومحافظ الشرقية السابق، بالإضافة إلى قيادات وزارة الأوقاف ومديرية أوقاف القاهرة، والعديد من طلاب العلم.
دار النقاش خلال الجلسات حول قضايا محورية مثل:
- دور الصيام في تهذيب السلوك وتقويم الأخلاق.
- مفهوم الوطنية في الإسلام، وأهمية الاصطفاف خلف الدولة في مواجهة التحديات.
- خطورة الفكر المتطرف وكيفية مواجهته بالفكر الوسطي المستنير.
- العدالة الاجتماعية والتكافل في رمضان كقيمة أساسية في الإسلام.
وأكد الدكتور عبد الهادي القصبي في مداخلته أن الوعي الديني الصحيح هو حجر الأساس لنهضة المجتمعات، مشيرًا إلى أن نشر القيم الدينية الصحيحة يساعد على التصدي للأفكار الهدامة التي تهدد الاستقرار.
فيما شدد الدكتور محمد مهنا على ضرورة ربط الفكر الديني بقضايا الواقع، موضحًا أن الإسلام ليس منفصلًا عن الحياة اليومية، بل هو منهج شامل يوجه السلوك الفردي والجماعي نحو الخير والإصلاح.
أما الدكتور ممدوح غراب، فقد أشار إلى أن التعليم وحده لا يكفي لبناء جيل واعٍ ومستنير، بل لا بد من تكامل الجهود بين المؤسسات التعليمية والدينية لتعزيز الفكر الوسطي وتحصين الشباب من الأفكار المتطرفة.
رسائل قوية حول القضية الفلسطينية
لم تغب القضايا السياسية والإنسانية عن الملتقى، حيث وجَّه وزير الأوقاف رسالة واضحة حول موقف مصر الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدًا رفض أي مخطط لتهجير الفلسطينيين، وأن الحل العادل يكمن في إقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
أثر الملتقى على المجتمع
يمثل ملتقى الفكر الإسلامي نموذجًا للتجديد في الخطاب الديني، حيث يسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز الفكر التنويري، بعيدًا عن التشدد والجمود. فمثل هذه الفعاليات تفتح المجال أمام الحوار البنّاء، وتشجع الشباب على التفكير النقدي، بدلاً من تبني أفكار متطرفة دون وعي.
كما أن إقامة الملتقى في رحاب مسجد الإمام الحسين، أحد أهم المعالم الدينية في القاهرة، يضفي عليه طابعًا روحانيًا خاصًا، حيث يشعر الحاضرون بأنهم يعيشون تجربة إيمانية متكاملة، تجمع بين العبادة والعلم والتفكر.
ختام روحاني وإنشاد ديني مبهر
اختُتم الملتقى بأمسية إنشادية قدَّمها المبتهل الشيخ عبد اللطيف العزب وهدان، حيث أبدع في تقديم ابتهالات روحانية مؤثرة، تفاعل معها الحضور بشكل كبير، مما أضفى على اللقاء طابعًا وجدانيًا فريدًا.
خاتمة
يبقى ملتقى الفكر الإسلامي أحد أبرز المنابر الفكرية في شهر رمضان، حيث ينجح في كل عام في تقديم وجبة فكرية ودينية دسمة، تعزز القيم الروحية، وتعمق الإحساس بالمسؤولية الوطنية. وبينما يواصل العالم مواجهة تحديات فكرية معقدة، تظل مثل هذه الفعاليات ضرورية لبناء مجتمع أكثر وعيًا وتسامحًا، يسير على خطى الإسلام الوسطي المستنير.

