من كاراكاس إلى لاهاي؟.. اعتقال مادورو يعيد فتح سجل التدخلات الأمريكية

في سابقة تعكس تصاعد توظيف العدالة كأداة سياسية في العلاقات الدولية، عاد اسم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى صدارة المشهد العالمي، عقب اعتقاله من القصر الرئاسي في كاراكاس خلال عملية عسكرية أميركية معقدة، تمهيداً لتقديمه للمحاكمة بتهم تتعلق بالمخدرات و«مكافحة الإرهاب».
ولا تبدو الخطوة الأميركية معزولة عن سياق تاريخي طويل من التدخلات التي قادتها واشنطن ضد قادة وأنظمة اعتبرتها خارج نطاق مصالحها، مستخدمة مزيجاً من القوة العسكرية والضغط القانوني والدبلوماسي تحت عناوين مثل «مكافحة الجريمة المنظمة» أو «حماية الديمقراطية».
مادورو في قلب المواجهة
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، عن تنفيذ «ضربة ناجحة وواسعة النطاق» في فنزويلا، ونقل مادورو وزوجته جواً خارج البلاد، فتح الباب أمام تداعيات سياسية عميقة داخل فنزويلا وخارجها. وأشاد ترمب بما وصفه «التخطيط الدقيق» و«نجاح المهمة»، مؤكداً أن العملية جاءت تتويجاً لحملة ضغط متصاعدة ضد الرئيس الفنزويلي.
وتعود جذور هذه الحملة إلى تداخل ملفات النفط والمخدرات والهجرة، إذ رفعت وزارتا الخارجية والعدل الأميركيتان، في أغسطس الماضي، قيمة المكافأة مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال أو إدانة مادورو إلى 50 مليون دولار، متهمة إياه بقيادة شبكة تهريب مخدرات مصنفة «كياناً إرهابياً عالمياً».
وبعدها بشهرين، وقّع ترمب توجيهاً سرياً يجيز تنفيذ عمليات عسكرية ضد عصابات المخدرات في أميركا اللاتينية، مع تركيز على الضربات البحرية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص في عمليات استهدفت قوارب مشتبه بها، إضافة إلى فرض حصار على ناقلات النفط الفنزويلية.
صدمة دولية ومقارنات تاريخية
وصف نيك باتون والش، كبير مراسلي الأمن الدولي في شبكة CNN، اعتقال مادورو بأنه «تطور صادم تماماً»، معتبراً أنه يذكّر باعتقال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين قبل أكثر من عقدين. وأضاف أن ما جرى يمثل «أقوى تدخل عسكري خارجي» خلال رئاسة ترمب، ويكشف مستوى الحرية التي تتحرك بها واشنطن على الساحة الدولية.
وأشار والش إلى أن مادورو، الذي يحظى بدعم من روسيا والصين، «انتُزع من عاصمته في منتصف الليل»، في مشهد يعكس تحوّلاً حاداً في ميزان القوة.
نمط متكرر من التدخلات
ولا يُعد مادورو الحالة الأولى في سجل التدخلات الأميركية. ففي عام 1989، انتهى حكم الجنرال البنمي مانويل نورييجا بغزو عسكري واعتقاله ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات. وفي عام 2003، أطاحت الولايات المتحدة بالرئيس العراقي صدام حسين بعد غزو واسع للعراق، انتهى باعتقاله ومحاكمته ثم إعدامه.
كما شهدت هايتي حالة مشابهة مع الرئيس جان برتران أريستيد، الذي أُعيد إلى السلطة بدعم أميركي ثم أُطيح به لاحقاً ونُقل إلى المنفى، في مسار اعتبره مراقبون انقلاباً مقنّعاً. وفي مثال أحدث، أُلقي القبض على رئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز وسُلّم إلى الولايات المتحدة، حيث حُكم عليه بالسجن قبل أن يحصل لاحقاً على عفو رئاسي أثار جدلاً واسعاً.
أسئلة قانونية بلا إجابات
ويرى خبراء في القانون الدولي أن الولايات المتحدة لن تواجه مساءلة حقيقية عن أفعالها في فنزويلا، في ظل غياب آليات إنفاذ فعالة في النظام الدولي. كما حذروا من الخلط بين مهام «إنفاذ القانون» والتدخل العسكري، معتبرين أن هذا النهج يفتح الباب أمام فرض وقائع سياسية جديدة بالقوة.
ومع وجود مادورو الآن في قبضة الولايات المتحدة، تترقب الأوساط الدولية ما ستؤول إليه التطورات، ليس فقط على مستقبل فنزويلا، بل على شكل النظام الدولي وحدود استخدام القوة والعدالة في إدارة الصراعات بين الدول.




