الرئيسيةعرب-وعالم

“مونرو” وضرب مثلثات الشيطان.. ماذا نعرف عن أخطر عقيدة أمريكية؟

ترامب يعيد صياغة عقيدة "مونرو" ويطلق عليها "مبدأ دونرو"

تقرير: سمر صفي الدين

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحويل العقيدة التاريخية للسياسة الخارجية، المعروفة باسم “مبدأ مونرو”، إلى “مبدأ دونرو”، في إشارة إلى اسمه “دونالد”.

وقال ترامب في تصريحات للصحفيين: “مبدأ مونرو هو بالتأكيد أمر مهم، لكننا تجاوزناه بشكل كبير، الآن يُسمى مبدأ دونرو”.

وجاءت هذه التصريحات على خلفية العملية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا، إذ كان ترامب قد دعا سابقًا إلى “عدم نسيان مبدأ مونرو”، الذي ينص على اعتبار القارة الأمريكية منطقة مغلقة أمام تدخل القوى الخارجية. ويؤكد القيادة الأمريكية لنصف الكرة الغربي.

ويسعى موقع “اليوم” لتعريف مبدأ “مونرو” ورصد تاريخه وعلاقته بـ”أحزمة التحطم” أو “مثلثات الشيطان”، حيث تؤدي هذه الهياكل الجيوسياسية دورًا مزدوجًا في تحفيز الصراعات أو الحد منها. حيث تُعد العملية الأمريكية في فنزويلا امتدادًا لمنطق العقيدة لمنع تحالف فنزويلا مع روسيا والصين من تهديد النفوذ الأمريكي.

circa 1800: James Monroe (1758 - 1831) fifth president of the United States of America. (Photo by Stock Montage/Stock Montage/Getty Images)
جيمس مورنو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية

أولًا: ما هي عقيدة “مونرو”؟

تُعد عقيدة “مونرو” واحدة من أقدم وأهم المرتكزات الحاكمة للسياسة الخارجية الأمريكية، إذ تعود جذورها إلى أوائل القرن التاسع عشر”. حين أعلنها الرئيس الأمريكي الخامس “جيمس مونرو” في رسالته السنوية السابعة إلى الكونغرس في 2 ديسمبر عام 1823. في سياق دولي اتسم بتصاعد المخاوف الأمريكية من عودة القوى الأوروبية إلى استعمار جمهوريات أمريكا اللاتينية حديثة الاستقلال.

وجاءت العقيدة في ظل تحولات كبرى شهدها النظام الدولي آنذاك، أبرزها استقلال معظم دول أمريكا الجنوبية عن التاجين الإسباني والبرتغالي. وتزايد القلق الأمريكي من احتمال سعي “التحالف المقدس” الذي ضم روسيا وبروسيا والنمسا. إلى إعادة فرض الهيمنة الأوروبية على نصف الكرة الغربي.

كما تزامن ذلك مع مطالب روسية بأراضٍ في شمال غرب القارة الأمريكية، ما زاد من هواجس واشنطن تجاه طموحات القوى الأوروبية في محيطها الجغرافي المباشر.

أمريكا حامي نصف الكرة الغربي

تأسست العقيدة على تصور جيوسياسي يعتبر القارة الأمريكية مجالاً حيويًا مغلقًا أمام أي تدخل خارجي. ويمنح الولايات المتحدة دور القيادة والحماية في نصف الكرة الغربي.

ورغم أن بريطانيا، القوة العظمى آنذاك، عرضت على واشنطن إصدار إعلان مشترك لرفض التدخل الأوروبي، فإن وزير الخارجية الأمريكي جون كوينسي آدامز نصح الرئيس مونرو بإعلان موقف أمريكي منفرد. يكرس استقلال القرار الأمريكي ويؤكد صعود الولايات المتحدة قوة إقليمية ناشئة.

وجاء إعلان العقيدة صريحًا في رفض أي توسع استعماري أوروبي جديد في الأمريكتين، مقابل تعهد أمريكي بعدم التدخل في شؤون “العالم القديم”.

كما اعتبرت واشنطن أي اعتداء أوروبي على دول نصف الكرة الغربي تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

وحدد مونرو في خطابه أربعة مبادئ أساسية شكلت جوهر العقيدة:

  • عدم تدخل الولايات المتحدة في النزاعات الأوروبية
  • الاعتراف بالمستعمرات الأوروبية القائمة دون السعي إلى تغيير وضعها
  • اعتبار نصف الكرة الغربي منطقة مغلقة أمام أي استعمار جديد
  • التعامل مع أي محاولة أوروبية لفرض الهيمنة على دول المنطقة باعتبارها عملاً عدائيًا ضد الولايات المتحدة.

ورغم الأثر الرمزي الكبير للعقيدة، فإنها في بداياتها افتقرت إلى القوة العسكرية التي تضمن تنفيذها، إذ كانت الولايات المتحدة تعتمد فعليًا على الردع البريطاني أكثر من قدراتها الذاتية.

ومع ذلك، حظيت العقيدة بتأييد واسع في أمريكا اللاتينية، حيث عدت ضمانة سياسية لاستقلال الدول الناشئة.

عقيدة مونرو The Monroe Doctrine
نسخة من عقيدة مونرو

الملحق الروزفلتي

مع مطلع القرن العشرين، شهدت العقيدة تحولاً جوهرياً مع “الملحق الروزفلتي” عام 1904. الذي منح واشنطن حق التدخل المباشر في شؤون دول القارة بذريعة حفظ الاستقرار ومنع التدخل الأوروبي. لتتحول من سياسة دفاعية إلى أداة هيمنة وتدخل عسكري.

ورغم تراجع حضورها الصريح لاحقًا، خصوصًا بعد تبني سياسة “الجار الصالح” في ثلاثينيات القرن الماضي. ثم الانتقال إلى أطر جماعية مثل “ميثاق ريو” ومنظمة الدول الأمريكية. فإن عقيدة مونرو ظلت حاضرة كمرجعية ذهنية تحكم تصورات واشنطن لأمنها الإقليمي. وتستدعى عند كل تحول استراتيجي يمس نفوذ القوى الكبرى في نصف الكرة الغربي.

ثانيًا: أحزمة التحطم (مثلثات الشيطان)

في إطار مقاربة تحليلية تربط بين الجغرافيا السياسية وإدارة الصراع، يقدم مهاب عادل، الباحث في الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (ACPSS)، قراءة لافتة لمفهومي حزام التصدع ونمط رقعة الشطرنج. في سياق فهم أعمق لتطورات الصراع الإيراني–الإسرائيلي. وانعكاساته على الاستراتيجية الأمريكية، خاصة في ضوء عقيدة مونرو.

وفي دراسة نشرها في أكتوبر 2023، يشير عادل إلى أن عقيدة مونرو لا يمكن قراءتها فقط كإعلان سياسي تاريخي يخص القرن التاسع عشر. بل كإطار استراتيجي مرن سعت الولايات المتحدة، ولا تزال، إلى توظيف منطقه في مناطق متعددة من العالم.

فالعقيدة، في جوهرها، استهدفت منع تحول مناطق حيوية إلى ما يعرف بـ أحزمة التحطم (Shatterbelts) أو مثلثات الشيطان. وهي هياكل جيوسياسية شديدة الهشاشة تتقاطع داخلها صراعات محلية مع تنافس دولي واسع النطاق.

ويعرف حزام التصدع بأنه إقليم جغرافي تتكثف فيه التوترات السياسية والعرقية والاقتصادية، مع قابلية مرتفعة لتدخل قوى إقليمية ودولية متنافسة.

وغالبًا ما تتحول هذه الأقاليم إلى ساحات صراع بالوكالة، حيث تسعى قوى كبرى إلى استغلال الانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذها. ما يؤدي إلى تصعيد دائم يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

ويرى عادل أن التاريخ الجيوسياسي لأوروبا الوسطى والشرق الأوسط يقدم نماذج كلاسيكية لهذه الأحزمة، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع هشاشة البنى المحلية.

مونرو تواجه حزام تصدع

وفي هذا السياق، يلفت الباحث إلى أن مبدأ مونرو، منذ إعلانه عام 1823، سعى عمليًا إلى منع تشكل حزام تصدع في أمريكا الوسطى واللاتينية. عبر استبعاد القوى الأوراسية المنافسة، وحصر المجال الجغرافي الغربي ضمن النفوذ الأمريكي الخالص.

كما يمكن ربط هذا المنطق بالعملية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا، حيث تهدف واشنطن إلى منع التحالف بين فنزويلا وروسيا والصين من تحويل المنطقة إلى حزام تصدع يهدد النفوذ الأمريكي.

هذا المنطق، بحسب الدراسة، قابل للاستدعاء أيضًا في الشرق الأوسط، حيث تحاول واشنطن إدارة توازنات معقدة في مواجهة تمدد النفوذ الإيراني، خاصة في مناطق “الهلال الشيعي” الممتدة عبر سوريا ولبنان والعراق.

رقعة الشطرنج

إلى جانب ذلك، يتناول عادل نمط رقعة الشطرنج (Checkerboard) بوصفه بنية تحالفية تقوم على مفارقة جغرافية. حيث تنشئ الدول تحالفات مع قوى بعيدة جغرافيًا لمواجهة جيران مباشرين. وتقوم العلاقات الدبلوماسية على قاعدة “عدو عدوي صديقي، وصديق عدوي عدوي، وعدو جاري صديقي”.

ويظهر هذا النمط كيف يمكن للتحالفات غير المتجاورة أن تفشل التسويات السلمية وتفاقم الصراعات، كما حدث في حرب البيلوبونيز في اليونان القديمة.

ويخلص الباحث إلى أن التداخل بين حزام التصدع ونمط رقعة الشطرنج يفسر كثيرًا من ديناميات الصراع في الشرق الأوسط اليوم، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الاستراتيجية، وتعاد صياغة مبادئ قديمة، مثل عقيدة مونرو، بأدوات جديدة، لإدارة صراعات لم تعد محلية، بل عابرة للأقاليم والنفوذ. كما يتضح من التدخل الأمريكي في فنزويلا لمنع تكون حزام تصدع نتيجة التحالف مع روسيا والصين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com