نائب رئيس جامعة الأزهر: بني سويف أنجبت البوصيري والشيخ الصايم وتاريخها شاهد على ريادة العلم

كتب: مصطفى علي
في مشهد يعكس أصالة الأزهر الشريف وامتداد رسالته الفكرية والعلمية، أكد الدكتور سيد بكري، نائب رئيس جامعة الأزهر لشئون التعليم والطلاب، أن محافظة بني سويف تظل أرضًا زاخرة بالعطاء والعلماء والمبدعين، وأن أبناءها تركوا بصمات مضيئة في سجل الفكر الإسلامي والبحث العلمي والنهضة الوطنية، مشيرًا إلى أن هذا العطاء الممتد من أعماق التاريخ لا يزال حاضرًا في كل الميادين والمحافل المحلية والدولية.
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها في افتتاح المؤتمر الدولي الثاني لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات ببني سويف، المنعقد تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، والذي جاء تحت عنوان:
“الدراسات البينية بين العلوم الشرعية واللغوية والإنسانية وأثرها على تطور البحث العلمي”.
الأزهر.. منارة ألف عام وعقل الأمة المفكر
رحّب الدكتور سيد بكري بالحضور مؤكدًا أن جامعة الأزهر تمثل أقدم وأعرق جامعة إسلامية في العالم، حملت مشعل العلم لما يزيد على ألف عام، وظلت عبر القرون منارة للهداية، وحصنًا للفكر الوسطي، وحامية لتراث الأمة في أصفى صوره.
وأشار إلى أن الأزهر الشريف لم يكن يومًا مجرد مؤسسة تعليمية، بل هو مدرسة للإنسان الكامل الذي يجمع بين الإيمان والعقل، ويوازن بين الروح والعلم، مؤكدًا أن الأزهر سيبقى في طليعة المؤسسات التي تبني الفكر المستنير وتدافع عن الوسطية والاعتدال في مواجهة تيارات الغلو والانحراف الفكري
استهل نائب رئيس الجامعة حديثه بعبارات فخر واعتزاز وهو يتحدث عن تاريخ بني سويف العريق، تلك الأرض التي وصفها بـ”وادي المرمر”، قائلًا:
“نلتقي اليوم في محافظةٍ تروي صفحات التاريخ، من أعماق الحضارة الفرعونية حتى رحاب الأزهر الشريف، مرورًا بعصورٍ صنعت فيها هذه الأرض رجالًا حملوا مشعل الفكر والعلم، ووقفوا في صف الوطن عبر الزمن”.
وأضاف أن التاريخ يقف شاهدًا على إبداع الملك سنفرو، مؤسس الأسرة الرابعة، الذي بنى هرم ميدوم في بني سويف، ليضع الأساس للعصر الذهبي للأهرامات الذي اكتمل على يد ابنه الملك خوفو صاحب الهرم الأكبر، إحدى عجائب الدنيا السبع.
كما أشار إلى أن أهناسيا التاريخية كانت مقرًّا لمدينة هيراكليوبوليس، عاصمة الفكر والإدارة في عصور مختلفة، وهو ما يؤكد أن بني سويف لم تكن يومًا هامشًا في تاريخ مصر، بل مركزًا حضاريًا وروحيًا وعلميًا مؤثرًا.
أعلام من بني سويف.. من البوصيري إلى الشيخ الصايم
توقف الدكتور بكري أمام رموز فكرية وروحية خرجت من بني سويف وأضاءت سماء الأمة الإسلامية، في مقدمتهم الإمام شرف الدين البوصيري، صاحب قصيدة البردة الشهيرة “نهج البردة”، التي قال إنها لم تكن مجرد شعر في مدح النبي ﷺ، بل كانت نشيدًا خالدًا للروح الإسلامية، وتراثًا تتناقله الأجيال في كل أرجاء العالم الإسلامي.
كما أشار إلى الشيخ أحمد الصفتي الصايم، ابن قرية صفط العرفا بمركز الفشن، شيخ الأزهر رقم 18، الذي وصفه بأنه عالم مجدد ومصلح كبير، أعاد ترتيب منظومة التعليم الأزهري في لحظات دقيقة من تاريخ مصر.
ولم ينسَ ذكر الشيخ طه الفشني، الصوت الذي ما زال يسكن وجدان الأمة، بصوته العذب في الابتهالات والتواشيح، الذي جعل من الفن الديني رسالة راقية تمزج بين الإيمان والجمال
بني سويف ومواقفها الوطنية المشرّفة
أكد نائب رئيس جامعة الأزهر أن بني سويف لم تكتفِ بعطائها العلمي والديني، بل كان لأبنائها حضور بارز في كل المحطات الوطنية الكبرى.
فمن الثورة ضد الاحتلال إلى حرب أكتوبر المجيدة، ومن العمل الإداري إلى القيادة التعليمية، ظلت المحافظة تقدم للوطن نخبة من العلماء والقادة والمصلحين الذين أسهموا في بناء الدولة المصرية الحديثة.
وأضاف أن تلك النماذج اللامعة تعكس الروح الوطنية المتأصلة في أبناء الصعيد الذين يجمعون بين الأصالة والانتماء، والإيمان العميق بقدسية الوطن ومكانة العلم كطريق للنهضة والتحرر.
الأزهر ورسالته العالمية في نشر الوسطية
وفي سياق حديثه عن دور الأزهر التاريخي، شدد الدكتور بكري على أن الأزهر قلعة الفكر الإسلامي المعتدل، وأنه لا يمكن لعاقل أن ينكر إسهامه عبر القرون في ترسيخ قيم التسامح والتعايش، ونشر رسالة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.
وأشار إلى أن الأزهر جمع بين الدين والعقل، والوحي والعلم، والإيمان والحياة، فكان بحقّ منارة للبشرية كلها، خرّج منها العلماء والدعاة والمفكرون الذين نشروا الإسلام الوسطي في شتى بقاع الأرض.
وأكد أن جامعة الأزهر اليوم لا تكتفي بتدريس العلوم الشرعية، بل تسعى إلى تخريج إنسان متكامل يبني عقله بالعلم، ويزكّي روحه بالإيمان، ويسلك سلوكًا راقيًا يقوم على الرحمة والعدل والإصلاح.
تطرق نائب رئيس الجامعة إلى أهمية الدراسات البينية، معتبرًا إياها ضرورة علمية وحضارية في عالمٍ لم يعد يعرف الفصل بين التخصصات.
وأوضح أن المؤتمر العلمي الثاني لكلية الدراسات الإسلامية والعربية ببني سويف جاء ليؤكد أن تكامل العلوم هو مفتاح النهضة المعاصرة، مشيرًا إلى أن الأزهر الشريف سبق المؤسسات التعليمية الأخرى في إدراك هذا المفهوم حين أطلق 29 برنامجًا بينيًا في 61 كلية، تمثل خطوة رائدة نحو تعليم يجمع بين التراث والواقع، والنظرية والتطبيق، والشريعة والإنسان.
وقال:”الدراسات البينية ليست رفاهية أكاديمية، بل ضرورة يفرضها واقع الإنسان في القرن الحادي والعشرين، لتقديم حلول متكاملة لمشكلاته الفكرية والاجتماعية والبيئية”.


