أخبار

قصيدة في رثاء العالم الجليل محمود توفيق سعد.. بقلم الدكتور علاء جانب

في قصيدة مؤثرة مليئة بالشجن والوفاء خطّ الدكتور علاء جانب عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، كلمات تحمل في ثناياها نَفَس الحزن العميق لفقدان العالم الجليل العلامة محمود توفيق سعد عضو هيئة كبار العلماء.

جاءت الأبيات بمثابة لوحة شعريةش تصور رحلة هذا العالِم الكبير، مسلطًا الضوء على شخصيته المتفردة، وعلمه العميق، وزهده الذي طبع حياته حتى رحيله.

ذهول الفقد وصدمة الرحيل

يبدأ الشاعر قصيدته بحالة من الذهول أمام النبأ المفجع، متسائلًا في حيرة: هل ما سمعه حقيقة أم محض ادعاء؟! وكأنه يرفض تصديق الخبر، إذ لم يكن يتوقع أن يأتي لحظة الوداع:

ذهولًا لنعيٍ قال صدقًا؟! .. أم ادّعى؟!
أنا لم يكن بي أن أجيء مودّعا..

هنا، يرسم الشاعر صورة نفسية معبرة عن هول الفقد، مشبهًا خطواته نحو الفقيد بالجرّ البطيء، حيث يجرجر أقدامه وكأنها ثقيلة بحمل الحزن والأسى.

مكانة الفقيد في محراب العلم

يصف الشاعر العلامة محمود توفيق سعد بأنه نورٌ يشع في محراب العلم، وأنه دخل ساحة العلم كما دخل موسى على خضر، متواضعًا ساعيًا للحكمة والمعرفة، فصار في مكانة عالية:

دخلتَ لباب العلم موسى لخضره..
تواضع حتى صار نجما وأرفعا..

لقد كانت علومه بحرًا زاخرًا، يدخل إليه العارفون فلا يجدون له قاعًا، فقد تدبر القرآن حتى تجلّت آياته أمامه، وكان يختار أجملها ليستخرج كنوز معانيها.

العالم المخلص لله في علمه وعمله

ويصفه الشاعر بأنه عبد صالح، يبتغي وجه الله في كل أمر، لا يخشى في الله لومة لائم، فكان قويًّا في الحق، بليغًا في الحجة، وهيبته لا تحتاج إلى ضجيج أو صخب:

فلله عبدٌ صالح القلب هيّن ..
بَسُومٌ حيي الوجه يمشي تواضعا

وفي الحومة الغبراء لم يخش لائما …
فإن صال جلّى أو تحدث أسمعا ..

كان مناصرًا للحق، إذا واجه الباطل ضرب رأسه حتى تصدع، وإذا تحدث، أبهر الحاضرين ببيانه القوي، ليكون دائمًا أميرًا في علم المعاني، وضليعًا في علم البلاغة.

الزهد والتصوف في حياة العالم الفقيد

لم يكن العلامة محمود توفيق سعد مجرد عالم باللسان فقط، بل كان زاهدًا متعبدًا، متصوفًا على هدى الإسلام الصحيح، فلم تفتنه الدنيا، ولم يغره بريقها، بل ظل متشبثًا بروحه النقية، يتعبد في الأسحار، ويهجر النوم في سبيل التقرب إلى الله:

يناديه في الأسحار شجوٌ معتّقٌ..
فلا يستقر القلب.. عينا ومهجعا

عاش حياته يرتل آيات الله، ويتلوها بعشق العارف بالله، حتى صار القرآن جزءًا من كيانه، لا يتركه طرفة عين.

الإخلاص للعلم وتفانيه في طلب المعرفة

ويصوّره الشاعر كأنه كتاب يمشي على الأرض، فقد قرأ حتى أصبح كتابًا ناطقًا بالمعرفة، وإذا تحدث كأنما تتحدث الكتب بين يديه:

قرأت عيون الكتب حتى غدوتها..
فعدت كتابا لين الحرف طيّعا

لم يكن العلم بالنسبة له وسيلة للشهرة أو الجاه، بل كان رسالة يؤديها بإخلاص، وطريقًا يثبت به الحق ويزهق به الباطل.

الوداع الأخير ورجاء الرحمة

يختم الشاعر قصيدته بنبرة وداع حزينة، بعدما استسلم أخيرًا لحقيقة الفقد، معبرًا عن ألمه العميق لفراق هذا العالم الجليل، لكنه يواسي نفسه بأن الراحل قد نال جزاءه عند الله، وأنه قد ارتحل إلى جوار ربه بعد رحلة حافلة بالعلم والتقوى:

إذن صدق الناعي وأمسيتَ راحلا…
وكنت الأنيس الأرحبي السميدعا

فنم في جوار الله نومة هانىءٍ..
وباب على الجنات .. في اللحد أوسعا

إرثٌ خالد ونورٌ لا ينطفئ

رحل العلامة محمود توفيق سعد، لكن إرثه العلمي سيظل منارة للأجيال القادمة، فهو لم يكن مجرد عالمٍ عابر، بل كان رمزًا من رموز الأزهر الشريف، حمل راية العلم، وأخلص في أدائه، فكان كالنجم الذي يضيء الطريق لمن بعده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى