
منذ استئناف الحرب على غزة في 18 مارس الماضي، تعلو أصوات المستوطنين لاسيما المعارضة في شوارع فلسطين المحتلة، تندد بذلك الفعل الذي اعتبرته تضحية بأرواح الأسرى الأحياء المتبقين، وذلك لتحقيق أغراض سياسية. لكن حكومتهم لم تعرهم اهتماما.
وبنهاية الشهر، أعلن عدد من جنود الاحتياط في جيش الاحتلال رفضهم العودة للخدمة بين صفوف الجيش في الحرب على غزة، بسبب الخسائر التي سببتها الحرب للمدنيين من الجانبين، وبسبب طول مدتها، وعدم وجود أهداف لها، مطالبين بسرعة إيقافها وإتمام المرحلة الثانية من الاتفاق، وإعادة الأسرى.
لكن تلك التحركات لم تكن كافية لزعزعة استقرار الحكومة، بما يضطرها للرضوخ لتلك المطالب وإيقاف الحرب، حتى ظهرت تحركات أشارت إلى إلقاء أحدهم حجرا ضخما في المياة الراكدة، فهل تنجح في كسر صلف حكومة “بنيامين نتنياهو” لتجبره على إنهاء الحرب؟
تمرد في صفوف الجيش

في خطوة مفاجأة أقدمت مجموعة من الطيارين العسكريين- وفقا للإعلام العبري- ممن يعملون بالخدمة النظامية والاحتياطية، على إرسال رسالة لقيادة الجيش هددوا فيها بالاستنكاف، ما لم يتم إعادة الأسرى ولو كان الثمن وقف الحرب بشكل نهائي، وساقوا أسباب اتخاذهم ذلك الموقف بأن الحرب ما استأنفت إلا لخدمة أهداف شخصية وسياسية بعيدة عن الصالح الأمني، إذ لن تؤدي إلا لمزيد من الخسائر في الأرواح من المدنيين والجنود على حد سواء، بما يقود لتأكل منظومة جنود الاحتياط.
ولم تسكت قيادة الجيش على ذلك، إذ هددت بفصل 970 طيارًا، ما لم يسحبوا رسالة التهديد بالتوقف عن العمل التي تقدموا بها. وهو التصعيد الذي بدا جديدا على خط المواجهة بين الحكومة الإسرائيلية والجيش وجماهير المستوطنين، بما يطرح السؤال حول شكل الضغط الذي يمكن أن يمثله ذلك الحراك، وفاعليته المحتملة في تلبية مطلب وقف الحرب.
أجاب الأستاذ الدكتور “حسن على”- أستاذ الإعلام بجامعة السويس- على ذلك التساؤل في تصريحات خاصة لليوم، فقال: “بداية هذا الموقف الذي اتخذه طياري سلاح الجو لم يأت شفقة على أهل غزة، وإنما لأنه لم يعد ثمة أهداف في غزة يمكن ضربها، ومصلحة نتنياهو في استمرار تلك الحرب بأي شكل وإن قصف الركام وهدم الأنقاض، ذلك أن الدعاوى القضائية المنظورة ضده والتحقيقات التي تجري معه، يتوقف اتخاذ إجراء فيها حتى انتهاء الحرب، ورؤية أعضاء سلاح الجو، أن مهماتهم في هدم المتهدم وضرب ما تم ضربه مسألة سخيفة ليس لها معنى…
أما عن تهديد الجيش لهم بالفصل، ذلك لأنهم في ظروف حرب، وما من دولة في العالم يمتنع فيها الجيش عن تنفيذ قرار أثناء الحروب، إنما جوهر المسألة في ألاعيب سياسية يمارسها نتنياهو لضمان استمرار الحرب من أجل مصلحته الشخصية وحدها، وهو الأمر الذي ظهر جليا للعالم أجمع، ذلك أن نهايته السياسية و دخوله السجن تحين بانتهاء الحرب، حيث يبدأ مكتب النائب العام التحقيق معه في الاتهامات الثابتة عليه فيكون مصيره السجن بنسبة 100%- حسب جميع التحليلات السياسية…
مما سبق، يمكن أن نقول أن ما يحدث لن يغيره الطيارون ولا أحد يستطيع تغييره إلا إذا تغير نتنياهو نفسه”.
ضغط عائلات الأسرى

عاد “نتنياهو” من الولايات المتحدة دون أن يحمل جديدا لعائلات الأسرى، التي كانت تعقد آمالا كبرى على لقائه بالرئيس الأمريكي لإبرام صفقة تبادل المرحلة الثانية من الاتفاق، فيعيد إليهم أبنائهم، ما أدى إلى سيادة حالة من الإحباط بينهم، وصفتها وسائل إعلام عبرية بقول: “الأسرى وضِعوا على الهامش”، ودفعهم ذلك إلى مقابلة “جيه دي فانس”- نائب الرئيس الأمريكي- لمناقشة الأمر.
وتحدث الإعلام العبري عن مساعي أمريكية لإبرام صفقة تبادل شاملة تعيد جميع الأسرى، وأكد “ترامب” ذلك بتصريحه بضرورة العمل على العودة الفورية للأسرى، كما تحدثت قنوات عبرية عن مؤشرات بنفاد صبر “ترامب”، بما يجعل الوقت المتبقي أمام “نتنياهو” لإنهاء الحرب أسابيع قليلة.
الأمر الذي قد يراه البعض جانبا أخر للضغط على حكومة الاحتلال، لكن “علي” عارض تلك الرؤية في خضم تصريحاته لليوم، فقال: “إن هذا الأمر لا يدخل في نطاق اهتمام نتنياهو، إذ لا يهمه شيء”.
ضغط اقتصادي جديد

في تقرير نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، تبين أن 1700 مليونير هاجروا من الأراضي المحتلة هجرة عكسية بعد الحرب، حيث انخفض عدد الأثرياء من المستوطنين الذين يعيشون في تل أبيب وهرتسيليا إلى 22600 مليونير في عام 2024، بفارق عدد المهاجرين المذكور عن عام 2023.
كما انخفض عدد كبار المليونيرات الذين تتجاوز ثرواتهم 100 مليون شيكل إلى 76 في المدينتين من أصل 82 مليونيرا، أما المليارديرات فلم يتبق منهم إلا 9 فقط في كلتا المدينتين.
الأمر الذي استخلصت منه الصحيفة مؤشرا على أن السوق الإسرائيلية أضحت غير جاذبة للمستثمرين، وفي هذا سألنا “علي” عن الهجرة العكسية وما يمكن أن تشكله من ضغط على الاحتلال، فقال: “هناك هجرة عكسية موجودة بشكل طبيعي، ذلك أن اليهودي جبان بطبعه يخشى الحرب، وبوجود نصف مليون يهودي في الملاجئ منذ عام ونصف، ومستوطني الشمال الذين تركوا مستوطناتهم ونزحوا إلى أطراف تل أبيب، ولم يستطع نتنياهو إعادتهم على الرغم من ضربه سوريا ولبنان، أضحى هناك عامل ضغط يصعد المشكلات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ومن هنا نجد الهجرة العكسية أمر طبيعي جدا…
وكل أشكال الدعم التي يحصل عليها نتنياهو تصب في خانة: إصلاح الخلل الذي صنعته الحرب طويلة الأمد، فإسرائيل لا تحتمل حرب أكثر من شهر، أما الحرب طويلة الأمد بهذا الشكل، فلولا الدعم الأمريكي والأوروبي غير المحدود ما كنا لنرى شيء اسمه إسرائيل منذ فترة كبيرة”.
وأضاف عن استمرار الحرب وتأثير اجتماع تلك الضغوط عليها، فقال: “الحرب مصلحة نتنياهو فقط، وليس فيها مصلحة إسرائيلية أو فلسطينية، وحتى في حالة وجود الضغوط فهناك ترامب، اللاعب المؤثر في الملعب الدولي حتى أوقف حركة الكرة الأرضية- مثلما يقول المثل الشعبي- من فرط العبث الذي يقوم به، ومن هنا نتنياهو يحصل على دعم مطلق مفتوح من الولايات المتحدة والغرب، وعلى سبيل المثال: ما حدث في المجر الدولة العضو في المحكمة الجنائية الدولية الموقعة على اتفاقية إنشائها، انسحبت من المحكمة لتتمكن من استقباله دون أن تضطر لتسليمه، فالغرب دول شديدة النفاق داعمة لإسرائيل بشكل مطلق، وبالتالي تتدفق معوناتهم على إسرائيل طالما بقيت الحرب لتغطي أية مشكلات مالية، كما يتدفق سلاحهم عليها بدون حساب بدون أن يدفع الإسرائيلي مقابل له”.
ولما كانت الرؤية العامة لأستاذ الإعلام بجامعة السويس تؤكد عدم فاعلية الضغوط الداخلية الإسرائيلية في التأثير على قرار استمرار الحرب، كان البحث عن ذلك العامل الذي قد يكون الفيصل في دفع حكومة الاحتلال لوقف الحرب، ولما سألناه عنه قال: “الصمود في استمرار الحرب، سيجبرها بضغط الرأي العام على إيقافها، لكن السؤال الذي يطفو على السطح: هل لدى المقاومة الفلسطينية النفس الطويل كي يحاربوا لأخر عشرة أمتار في السباق، أي يستمروا في الحرب عدة شهور قادمة، ذلك أن من يتأوه أولا سيدفع الثمن غاليا.
كذلك التفكير في تفريغ غزة من سكانها عار على العالم كله، وضد القوانين الدولية ومبادئ الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، لأنه تطهير عرقي واضح وضوح الشمس لا يقبل تفسير، ومع ذلك يسانده ترامب بكل قوته…
ومن ثم تتلخص القضية في صمود أهل غزة فهو وحده الكفيل بهزيمة نتنياهو ودخوله السجن، لأن الحرب بذلك لن تحقق أي من أهدافها، لكن إن هجر سكان غزة وتركوها فهو انتصار ساحق، سيجعل من نتنياهو بطل قومي وينهي أمر التحقيقات معه، إذ أن أريل شارون بكل جبروته لم يستطع تفريغ غزة، بل تركها وخرج منها، وعليه تفريغ غزة يكون مكافأة لنتنياهو ونصر لا يستحقه”.



