«ننتج كثيرًا ونأكل قليلاً » البروتين على موائد المصريين

كتب: أسامة منيسي
في وقت تتصاعد فيه أسعار الغذاء وتتراجع القدرة الشرائية للمواطن، تكشف أرقام استهلاك البروتين في مصر عن فجوة مقلقة بين ما يحتاجه الإنسان صحيًا وما يصل فعليًا إلى موائد الأسر. فوفقًا لمعايير منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، يحتاج الفرد في المتوسط إلى نحو 20–21 كيلوجرامًا من البروتين الصافي سنويًا، وهو ما يعادل، إذا جاء من مصدر واحد، قرابة 100 كيلوجرام من اللحوم أو الأسماك أو الدواجن سنويًا.
لكن الواقع المصري يبدو بعيدًا عن هذه المستويات، ما يضع الأمن الغذائي والبشري في دائرة الخطر. فالأرقام تشير إلى أن مصر لا تعاني فقط من ارتفاع أسعار الغذاء، بل تواجه فجوة بروتينية حقيقية تهدد الصحة العامة على المدى الطويل. وبينما يملك قطاعا الدواجن والاستزراع السمكي طاقات إنتاجية كبيرة، يبقى التحدي في توجيه هذه القدرات لسد احتياجات المواطنين أولًا، قبل التفكير في التصدير أو الفوائض.
يقول بدر جاويش، أخصائي تغذية لـ (اليوم ) ، إن الاحتياج اليومي من البروتين يقدر بـ0.8 جرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم. وباحتساب متوسط وزن 70 كيلوجرامًا، فإن الفرد يحتاج إلى 56 جرام بروتين يوميًا، أي نحو 20.4 كيلوجرام سنويًا. هذا البروتين يجب أن يأتي من مزيج من اللحوم، الدواجن، الأسماك، البيض، الألبان، والبقوليات.
لكن الواقع المصري يكشف فجوة كبيرة بين هذا الاحتياج وما يستهلكه المواطن فعليًا:
اللحوم الحمراء: شهدت انخفاضًا ملحوظًا، حيث يقول زكريا محمد، عضو شعبة اللحوم بغرفة تجارة الإسكندرية، إن متوسط نصيب الفرد تراجع إلى نحو 8 كيلوجرامات سنويًا بعد أن كان يدور حول 13 كيلوجرامًا حتى عام 2018، ما يعني فقدان أكثر من 35% من استهلاكه خلال أقل من سبع سنوات، في انعكاس مباشر لغلاء الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
الدواجن: تمثل المصدر الأكثر اعتمادًا للبروتين الحيواني، مع متوسط استهلاك الفرد نحو 21 كيلوجرامًا سنويًا، رغم أن مصر تنتج نحو 1.6 مليار دجاجة سنويًا، بحسب عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة تجارة القاهرة.في تصريحات خاصة لجريدة اليوم
البيض: يستهلك الفرد حوالي 140 بيضة سنويًا، وهو ما يوفر أقل من كيلوجرام واحد من البروتين الصافي وفقاً لتصريحات بعض منتجي بيض المائدة
الأسماك: يظل الاستهلاك محدودًا رغم أن مصر تحتل المرتبة الأولى أفريقيًا وعربيًا في الاستزراع السمكي، حيث يبلغ الإنتاج المحلي حوالي2.4مليون طن سنويًا، إلا أن ما يصل إلى استهلاك الفرد يغطي نحو 20% فقط من البروتين المطلوب، بحسب تصريحات المهندس هاني المنشاوي، رئيس شعبة الأسماك بغرفة الصناعات الغذائية. لجريدة اليوم
اضاف المنشاوي أن استهلاك المصريين للأسماك شهد ارتفاعًا من متوسط 14 كيلوجرامًا في الماضي إلى نحو 25 كيلوجرامًا حاليًا، وأن القطاع يسعى للتغيير من خلال التوعية بأهمية الأسماك ودورها في تحسين الصحة وفتح آفاق أكبر للأسماك المصنعة.
وعند جمع هذه المصادر، نجد أن الفرد المصري ما زال بعيدًا عن تلبية احتياجاته الفعلية من البروتين، مما يدفعه للاعتماد على النشويات والبروتين النباتي لتعويض الفجوة، وهو ما لا يغذي الجسم بشكل متوازن ولا يساهم في بناء مناعة قوية.
توضح هذه الأرقام حقيقة أساسية: الأمن الغذائي لا يُقاس فقط بعدد الدواجن ولا بأطنان الأسماك المنتجة، بل بما يصل فعليًا إلى طبق المواطن كل يوم. فحتى مع وفرة الإنتاج، يبقى السؤال: هل يصل البروتين الكافي إلى كل مصري؟
يبقى التحدي أمام الدولة والقطاع الخاص في توجيه طاقات الإنتاج لسد الفجوة الغذائية، وضمان وصول البروتين الحيواني إلى كل أسرة، لتحقيق حياة صحية كريمة للمواطن المصري .
