الرئيسيةعرب-وعالم

هدى أبوالنجا… صرخة غزية لم تجد مجيب

قصة: مروة محي الدين

“هدى- سبحان الله- لاحقتها الحرب، في: المجاعة وعدم توفر الغذاء، وفي عدم توفر الدواء، وحتى في عدم توفر الأدوات والإمكانيات لإنقاذ حياتها”… هكذا لخص الدكتور “أحمد الفرا”- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- في تصريحات خاصة لموقع اليوم، حالة الطفلة “هدى أبو النجا”، إحدى ضحايا حرب الإبادة الجماعية، التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة، منذ أكثر من عامين.

وصفت السيدة “سمية رمضان أبو النجا”- والدة الطفلة، وهي من أهالي معن بخانيونس- في تصريحات خاصة لليوم، ماحدث لابنتها فقالت: “عانت ابنتي منذ إغلاق المعابر من سوء التغذية، وبينما كان وزنها 30 كيلوجرام أصبح 19 كيلوجرام فقط، وتساقط شعرها وتغير لونه، وتقشر جلدها، وأصيبت بفقر الدم”.

وأضافت: “أصابها ذلك بخمول دائم، وهزال في الجسد، فدخلت المستشفى 3 مرات، استمر وجودها فيها في المرة الأولى 12 يوم، وفي المرة الثانية استمر شهرًا ونصف، وفي المرة الثالثة استمرت 6 أيام فقط، ثم سلمت روحها إلى بارئها”.

اغتيال بالتجويع

 

 

“هدى”- رحمها الله- هي إحدى ضحايا سوء التغذية الشديد، الذي وصل أعلى مراحله لديها، فبينما لم تكن تعاني أية مشكلات صحية قبل المجاعة، نهش سوء التغذية جسدها الغض، ليحيله إلى هيكل عظمي، مشوه الملامح، تنتشرفيه الإصابات، ولا يقوى على الحركة، وفقد القدرة على احتمال المزيد، حتى ظهرت في أحد المقاطع المصورة، قبيل وفاتها تتألم وتتآوه، بينما تقول: “يا ماما مش قادرة يا ماما…”.

حكى “الفرا”- الذي كان طبيبها المعالج- عن الوضع الطبيبتان منذ الإصابة حتى الوفاة، فقال: “هدى من أكثر الحالات التي تركت أثر، حتى في نفوسنا نحن الأطباء، فهي طفلة ذكية وماهرة جدًا، والغريب في حالتها، أنها لم تكن تعاني أية مشكلات صحية قبل المجاعة، فكانت طفلة جميلة بصحة جيدة، مفعمة بالنشاط والحياة، لتحيلها المجاعة إلى أخرى، لا تقوى على المشي أو الجلوس أو الوقوف، ما يضطر والدتها إلى حملها، كي تنقلها من مكان لآخر، وتجعلها أية محاولة لإجلاسها تصرخ ألمًا.

وقد دخلت في سوء تغذية شديد، تطور إلى نقص شديد في بروتينات الدم؛ وتغير في الشعر، ففقدت معظم شعرها، الذي تحول لونه من الأسود إلى الأشقر المائل للبياض، وتساقط بغزارة، كما كان يتقصف بسهولة بمجرد الإمساك به بأطراف الأصابع؛

كما عانت من تجمع للسوائل خارج الأوعية الدموية أو تنفخات- ظهرت في الأطراف السلفية بشكل واضح، وهي من الدرجة الثالثة، حيث انتشرت في جميع أنحاء الجسم؛

كذلك عانت من تغيرات في الجلد، الذي ظهر عليه الجفاف الشديد، وبسبب نقص فيتامين (سي) الحاد، انتشرت على وجهها بقع كدمية، وجسدها أضحى جلد على العظام؛ وعانت من نحول في الوجه وهالات حول العينين؛ ونظرًا لانخفاض الطاقة عندها إلى أدنى معدلاتها، كانت دائما تشعر بالبرد؛ وبفعل ضعف جهاز المناعة لديها، عانت من كثرة الالتهابات.

صُنِفَتْ على أنها حالة سوء تغذية نتيجة نقص البروتينات- protein energy malnutrition، وبعد عمل منظار للجهاز الهضمي، تبين أنها تعاني مشكلة في الزغابات المعوية، أو ما يطلق عليها “Atro villi”، فكان مقترح إنها تكون حالة “داء زلاقي- celiac disease”، ومن ثم سارت بحمية غذائية خالية من الجلوتين ومشتقاته، لكن ذلك لم يفض إلى تحسن، بل بالعكس ساءت حالتها.

وأخيرا دخلت في شيء سيء للغاية، وهو نقص الفيتامينات الشديد، ونقص مناعة شديد، وتجرثم في الدم، فتوفت في قسم العناية المركزة أمس، لأنها بكل أسف حتى في قسم العناية، كانت تحتاج إلى وريد مركزي، حتى تعطى فيه أدوية “inotropes”، بسبب وصولها حالة “الصدمة الجرثومية أو الإنتانية- septic shock”، وبكل أسف لم يكن متوفرا بالمستشفى”.

استغاثة لم تُسْمَع

 

“أنا هدى أبو النجا، عمري 12 عامًا، كنت قبل هيك حلوة وهادا، وصابتني في الحرب سوء التغذية، ونفسي أتعالج وأطلع برة، أنا بحس بالموت، نقسي ألعب زي الصغار، كل يوم بدي أخرج وأروح البحر ألعب بعرفش ألعب، نفسي أسافر لبره أتعالج، علشان أعيش زي باقي الأطفال، جسمي بقى هيكل عظمي، بعد ما كنت زي أي طفل عادي بلعب وكل حاجة، كان وزني 30 كيلوجرام قبل الحرب، الآن صار وزني 19 كيلوجرام، لما بدي أكل حاجة بأكلها وأنا خايفة، لأن إن أكلت تفاحة حاجة، ع طول بتنفخ”… هكذا وصفت الطفلة حالها، في آخر نداء استغاثة قبل وفاتها، دون نتيجة تذكر.

كانت تفقد حياتها كل لحظة، وما من مجيب لنداء استغاثتها، ومع صعوبة الإجلاء الطبي للعلاج بالخارج، بفعل إغلاق الاحتلال للمعابر، لفظت الطفلة البريئة أنفاسها الأخيرة، بقسم العناية المركزة بمجمع ناصر الطبي.

وعن الاستغاثة، قالت “سمية”: “ناشدت العالم أكثر من مرة، من أجل إجلاء ابنتي للعلاج بالخارج، ولكن لا حياة لم تنادي، ومع استمرار تدهور حالتها، حتى كانت تقولي وهي في غرفة التغذية: أخاف أن أموت في هذه الغرفة، مثل الأطفال الذين ماتوا فيها؛ وقد قالت نفس الكلمات، في المناشدات التي أطلقناها عبر وسائل الإعلام، مثل: الجزيرة مباشر والجزيرة الإنجليزية وتليفزيون فلسطين، خلال مقابلات معها”.

وأضافت عن تكرار النداء: “كما أطلق الدكتور أحمد الفرا- طبيبها المعالج، عدة مناشدات لها على وسائل التواصل الاجتماعي، من بينهما مناشدة على قناة أطباء حول العالم على تليجرام، دون جدوى حيث لم يتم إجلائها؛ علما بأن في ذات الغرفة كانت هناك حالة طفلة مثل حالة هدى، ولكنهم إجلائها للعلاج في إيطاليا منذ شهر”.

وأكد “الفرا” حديث والدة هدى فقال: “كانت هدى من أشد حالات سوء التغذية في قطاع غزة، وعلى الرغم من إطلاق عدة مناشدات لإخراجها للعلاج، لم نجد استجابة، حيث واجهنا صعوبات جمة في تحويلها إلى الخارج”.

لم تجد والدة الطفلة تفسيرًا للتباطؤ في نقلها للخارج، فقالت: “لا أعلم أسباب عدم اتصال أي منظمة بي، ودائما ما كان الطبيب يستنكر عدم اتصالهم بي، حينما يسألني ولا يجد إجابة”.

إغلاق المعابر

تحكي السيدة “سمية” عن عقبة كئود، وقفت في وجه إجلاء ابنتها، بعد أن وجدت استغاثاتها من يسمع، فقالت: ومع إغلاق الاحتلال المعابر، أضحت معضلة الإجلاء أكثر صعوبة، حيث أغلق معبر رفح، ومعبر كرم أبو سالم، الذي كان يفتح مرة كل أسبوعين، لإخراج عدد قليل من المرضى للعلاج، ليمنع ذلك جهود الإجلاء.

وحتى مع حدوث استجابة، بعد اتصال متطوعة إيطالية بها، وحصلت منها على نسخة من التقارير الطبية للطفلة، وقف مشكلة إغلاق المعابر، وتوقف استخراج تأشيرات السفر من إيطاليا، عائقًا أمام إخراجها.

وهكذا صعدت روح “هدى” إلى بارئها، بعد أن مارس الاحتلال بحقها كل درجات الإجرام، فجوعها وأمرضها، ثم منع عنها الدواء، ومنع المستشفى من إمكانيات العلاج، فلم تتمكن من إنقاذها، ثم أغلق المعابر وحرمها الإجلاء، ليضمن إحكام الحلقة حول تلك البريئة بجسدها الضعيف، مستهدفًا النتيجة التي حققها في النهاية.

اتفاق غزة… هل تصمد شمعته في مهب خروقات الاحتلال؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com