هروب الأطباء من التكليف.. أزمة تهدد مستقبل الصحة في مصر

كتب: أحمد أبو رحاب
في السنوات الأخيرة، أصبحت أزمة عزوف الأطباء عن التكليف واحدة من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصحي في مصر. فالمشهد الذي كان يعكس وفرة في عدد الأطباء، تحوّل إلى أزمة حقيقية: أماكن شاغرة، نقص في التخصصات الحيوية، وتراجع غير مسبوق في أعداد المتقدمين للتكليف.
فلماذا أصبح مستقبل الطبيب الشاب مرتبطًا أكثر بالسفر منه بالعمل في المستشفيات الحكومية؟
رواتب لا تليق بمهنة الطب
تبدأ الأزمة من الراتب الحكومي الضعيف، الذي لا يمنح الطبيب الحد الأدنى من حياة مستقرة.
بعد سنوات طويلة من الدراسة، يبدأ الطبيب حياته المهنية براتب لا يوازي حجم المسؤولية ولا الضغط الواقع عليه.
يقول أحد الأطباء الجدد: “أنا بحمل روح إنسان في إيديا، لكن مرتبي ما يكفيش حتى مصاريف الشهر.”
بيئة عمل مرهقة وغير آمنة
يواجه الأطباء في المستشفيات الحكومية ضغط عمل شديد، ونقصًا في المعدات الأساسية، مع تكرار الاعتداءات اللفظية والبدنية، خصوصًا في المستشفيات الطرفية.
في كثير من المستشفيات، يعمل الطبيب 24 إلى 36 ساعة متواصلة، وسط مسؤوليات ضخمة وإمكانيات محدودة.
ويضيف طبيب آخر: “مطلوب مننا نعمل المعجزة..وبأدوات ناقصة.”
تدريب مهني ضعيف وضياع سنوات
بعد تطبيق نظام الزمالة الإجباري، شعر كثير من الأطباء أن التدريب داخل مصر لا يرقى للمستوى المطلوب، وأن سنوات طويلة ستُستنزف دون اكتساب خبرة حقيقية.
مقابل ذلك، تقدّم دول الخليج وأوروبا فرص تدريب منظمة وتخصصية، بإشراف فعلي وتجهيزات متقدمة.
ويقول أحد الأطباء:”نفسي أبقى دكتور كويس… بس هنا السنوات بتضيع.”
التكليف بلا حوافز
رغم أن الخدمة العامة واجبة، فإن غياب الحوافز المادية والمهنية يجعل التكليف عبئًا على الطبيب الشاب، بدل أن يكون خطوة لبداية مشواره المهني.
كثير من الأطباء يتم تكليفهم بمناطق بعيدة دون توفير سكن أو بدل انتقال مناسب، ودون ضمانات لمسارهم المهني.
وتتساءل إحدى الطبيبات: “ليه أسافر 500 كيلو بعيد… وأنا مش هلاقي تقدير ولا فرصة أتعلم؟”
الخارج يبدو أفضل
بات الطبيب المصري يرى أن الدول الأخرى تمنحه ما يبحث عنه:
-راتب محترم
-تدريب حقيقي ومنظم
-بيئة عمل آمنة
‘تقدير اجتماعي
-مسار مهني واضح
لذلك أصبح السفر خيارًا منطقيًا وليس مجرد رغبة.
أرقام تكشف الأزمة
تشير تقارير مهنية إلى:
-انخفاض كبير في عدد المتقدمين للتكليف خلال السنوات الأخيرة
-ندرة في تخصصات حيوية مثل التخدير والرعاية المركزة والطوارئ
-ارتفاع أعداد الراغبين في السفر فور انتهاء الامتياز
ويعلق أحد الأساتذة الجامعيين: “نحن أمام أكبر موجة هجرة أطباء في تاريخ مصر… ولا توجد خطة واضحة للحد منها.”
هل يمكن إنقاذ الموقف؟
نعم، إذا توفرت إرادة حقيقية وقرارات سريعة تشمل:
-تحسين الرواتب بشكل فعلي وليس شكلي.
-تطوير منظومة التدريب ومراقبتها بجدية، مع إشراف استشاريين.
-حماية الأطباء قانونيًا داخل أماكن العمل.
-تقديم حوافز قوية للتكليف، مثل السكن وبدل الانتقال وفرص التخصص.
– إشراك الأطباء في صناعة القرارات الصحية لوضع السياسات المناسبة.
أزمة هجرة الأطباء تتجاوز كونها مشكلة مهنية، فهي خطر مباشر على الأمن الصحي المصري، وكل طبيب يرحل هو خسارة لسنوات من التعليم والخبرة، وخسارة لمنظومة تحتاج لكل يد عاملة فيها، وإن إنقاذ الموقف يتطلب معالجة الأسباب الحقيقية وإعادة الثقة إلى الطبيب المصري قبل أن يفقد القطاع ما تبقى من كوادره.

