رئيس جامعة الأزهر: أيام معدودات دعوة ربانية لاغتنام لحظات الذكر في مواسم الطاعة

تقرير:مصطفى على
في سياق روحاني عميق يتّصل بأحد أعظم مواسم الطاعة، سلّط فضيلة الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر الشريف، الضوء على أحد المعاني القرآنية الدقيقة المرتبطة بمناسك الحج، وتحديدًا قول الله تعالى: “وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ”، مشيرًا إلى أن هذه الآية الكريمة تمثّل ختام الحديث عن مناسك الحج في سورة البقرة، وتحمل في طياتها دعوة ربانية للمؤمنين بالإكثار من ذكر الله في أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة.
وقال رئيس جامعة الأزهر، في تصريحات إعلامية بثّتها الفضائيات المصرية، إن هذه الأيام تمثل فرصة استثنائية للانخراط في ذكر الله تعالى، حيث يستحب أن يعيش الحاج خلالها حالة من السكينة الروحية والانغماس في العبودية الخالصة، بعيدًا عن صخب الدنيا ولغو الحديث.
النبي استلهم المعنى وروّج للفرح المشروع
وأوضح فضيلته أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم استلهم من الآية الكريمة هذا المعنى الرباني العميق حين قال: “أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله”، في إشارة إلى أن هذه الأيام ليست فقط مناسَبة للراحة بعد عناء الحج، بل أيضًا مناسبة جامعة بين الفرح المشروع والروحانية العميقة.
وأشار الدكتور داود إلى أن حديث النبي لم يأتِ اعتباطًا، بل كان مبنيًا على فهم دقيق لمقاصد الشريعة التي تُيسّر للناس عباداتهم وتفتح لهم أبواب الذكر والتقوى حتى في أوقات الفرح والأكل والشرب. فالبهجة في الإسلام لا تنفصل عن العبادة، بل تتكامل معها.
لماذا “معدودات” وليست “معلومات”؟.. بلاغة قرآنية ذات دلالة
وفي بُعد لغوي دقيق، توقّف رئيس جامعة الأزهر عند لفظ “معدودات” الذي جاء في الآية، قائلًا إن هذا التعبير يحمل دلالة خاصة تتعلّق بقِصَر المدة الزمنية لأيام التشريق، إذ إن لفظ “معدودات” جاء بصيغة جمع القلة في اللغة العربية، وهي الصيغة التي تستخدم للإشارة إلى العدد القليل، بخلاف “معلومات” التي وردت في سياقات أخرى تتصل بأيام الحج عامة.
وأوضح أن استخدام “معدودات” هنا رسالة خفية إلى الحجاج والمؤمنين بأن الفرصة المتاحة لهم قصيرة، وعليهم اغتنامها قبل أن تنقضي وتابع قائلًا: “إنها فقط ثلاثة أيام، فهل يعجز أحد عن أن يفرغ نفسه لذكر الله فيها؟”.
وشدد الدكتور داود على أن المقصود من ذكر العدد القليل ليس التقليل من أهمية هذه الأيام، بل تحفيز النفس الإنسانية على استثمارها، إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى تأجيل الطاعات والتهاون فيها عندما يظن أن الوقت ممتد، أما إذا شعر بأن الزمن محدود، اشتدّ حرصه على استغلال كل لحظة.
رمي الجمرات.. ذكرٌ مغلّفٌ بالفعل والطاعة
وفي جانب من التفسير العملي لمظاهر الذكر في أيام التشريق، أشار رئيس جامعة الأزهر إلى أن رمي الجمرات، وهو من أبرز شعائر الحج، يندرج ضمن ذكر الله، لأن الحاج يردّد “الله أكبر” مع كل حصاة يرميها، فتتحول تلك الحركات إلى لحظات من التسبيح والتكبير، تحمل معاني التحرر من الشيطان، والانخلاع من الذنوب، والانقياد لأوامر الله.
وأضاف أن ربط الذكر بالفعل في هذه الأيام يرسّخ فلسفة إسلامية مهمة، وهي أن الذكر ليس فقط بالألسنة، بل بالأعمال والتصرفات التي تعبّر عن طاعة لله وخضوع لشرعه.
بين الزمان والمكان.. خصوصية الروح في أيام التشريق
لفت الدكتور داود إلى أن الاجتماع بين الزمان المبارك والمكان المقدّس يجعل من أيام التشريق فرصة لا تتكرر في العام سوى مرة واحدة، داعيًا الحجاج إلى أن يعيشوا هذه اللحظات بذهنية المودّع، الذي يعلم أن النعمة زائلة، فيحرص على اقتناص كل ثانية فيها بذكر أو دعاء أو تكبير أو عمل صالح.
وأكد أن الفقهاء والمفسرين أولو هذه الأيام اهتمامًا خاصًا، لما تحمله من رمزية روحية في ختام مناسك الحج، إذ تمثل مرحلة “التحلل الكامل” من الإحرام، لكنها لا تعني الانقطاع عن الطاعة، بل تمثل ذروة العبادة التي تختتم بالدعاء والتقرب والفرح المشروع.
دعوة للحجاج والمسلمين كافة.. لا تضيعوا “المعدودات”
في ختام تصريحاته، وجّه الدكتور سلامة داود رسالة إلى عموم الحجاج والمسلمين، مؤكدًا أن أيام منى، وإن كانت قليلة، إلا أن بركتها عظيمة، وأن ذكر الله فيها ليس للحجاج فقط، بل دعوة مفتوحة لكل مؤمن أن يواكب هذا الموسم ولو عن بعد، بالتكبير والتحميد والتهليل، اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وأشار إلى أن العلاقة بين العبد وربه في هذه الأيام تقوم على مبدأ “القرب المكثّف”، وهو نوع من العبادة التي تستثمر قِصر الزمن في الإخلاص لله، وتكثيف الأعمال الصالحة، معتبرًا أن “المعدودات” هي امتحان لصدق النوايا، واختبار حقيقي لمن يريد أن يكون عبدًا لله في كل وقت، لا في المواسم فقط.
خلاصة روحية: حين يكون القليل مفتاحًا للكثير
يمثل تأمل الدكتور سلامة داود في آية “وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ” دعوة عميقة لإعادة التفكير في طبيعة الزمن وعلاقته بالذكر، إذ يؤكد أن القليل من الأيام قد يحمل بركة لا تُقارن بكثرة لا روح فيها، وأن الذكر ليس تكرارًا للألفاظ فقط، بل حالة قلبية وفعلية من التوجه الكامل إلى الله.