تقارير-و-تحقيقات

الجامع الأزهر: الصدقة أولى من تكرار العمرة وقت الأزمات

تقرير: مصطفى على

في أروقة الجامع الأزهر الشريف، احتضن الملتقى الأسبوعي المخصص للمرأة ندوة علمية وتوعوية جديدة، شهدت حضورًا لافتًا من سيدات وفتيات مهتمات بالتفقه في الدين ومواكبة مستجدات الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

أدار فعاليات الملتقى ثلاث من العالمات المتخصصات في الشريعة والفقه، وهن: الدكتورة لمياء متولي، والدكتورة زينب سري، والدكتورة حياة العيسوي، حيث طرحن قضايا تمس شريحة واسعة من النساء، أبرزها: أداء العمرة وتكرارها، فقه الأولويات، والبر المجتمعي في زمن الأزمات الاقتصادية.

اللقاء يأتي في إطار سلسلة من الفعاليات التي أطلقها الجامع الأزهر مؤخرًا ضمن مبادرته لتكثيف الوعي الديني لدى المرأة، وتشجيعها على الانخراط في مجالات العمل الخيري والتنموي وفقًا لفهم رشيد لمقاصد الشريعة.

فقه العمرة وتكرارها بين المذاهب الأربعة

لمياء متولي: تكرار العمرة ليس فريضة… والمساعدة المجتمعية قد تكون أولى عند تزاحم الأولويات

تناولت الدكتورة لمياء متولي، أستاذة الفقه بجامعة الأزهر، الأحكام الشرعية المتعلقة بأداء العمرة، مشيرة إلى التباين الفقهي بين المذاهب الأربعة وأوضحت أن المالكية ومعظم الحنفية يرون العمرة سنة مؤكدة مرة واحدة في العمر، في حين يعتبرها الشافعية والحنابلة فريضة مرة واحدة فقط.

وأكدت أن تكرار العمرة لا يُعد واجبًا شرعيًا، بل هو تطوع مستحب، ويُستحسن تقديم الأَوْلى عند تزاحم الأولويات، خاصةً في الظروف التي تشهد احتياجات إنسانية ملحة.

وأشارت إلى أن الصدقة والإحسان للمجتمع قد يُقدمان على تكرار العمرة، لا سيما إذا كان هناك فقراء أو مرضى أو محتاجون ينتظرون يد العون، مبينة أن مقاصد الشريعة تضع حفظ النفس والمجتمع في مقدمة الأولويات.

بدائل العمرة عند ضيق الحال والظروف الاجتماعية

زينب سري: التكافل والتراحم أعظم أجرًا عند الله في بعض الأحوال من أداء النسك

من جهتها، طرحت الدكتورة زينب سري، أستاذة الدعوة الإسلامية، تصورًا متوازنًا حول مفهوم “بدائل العمرة”، مبينة أن الشريعة تتيح للإنسان مجالًا واسعًا للتقرب إلى الله بطرق أخرى، خصوصًا في حال عدم القدرة على أداء العمرة إما لضيق ذات اليد أو لأعباء اجتماعية وظروف قاهرة.

واستعرضت وجهتي نظر في المسألة: الأولى تخص القادر ماليًّا لكنه يواجه تحديات أسرية أو اجتماعية ضاغطة، والثانية تخص من لا يملك القدرة المالية أصلًا.

في كلتا الحالتين، أكدت أن مساعدة المحتاجين، وتفريج الكرب عن الغارمين، والمساهمة في مشروعات التكافل، تعد بدائل ذات أجر عظيم، بل قد تفوق أجر النافلة في بعض الظروف، لا سيما عندما تؤدي هذه الأعمال إلى استقرار الأسرة والمجتمع.

واستشهدت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:
«من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة»، لتبين أن أبواب الثواب واسعة، ولا تنحصر في الشعائر المكانية فقط.

البر في حقيقته… يتعدى الاتجاه في الصلاة

حياة العيسوي: البر الحقيقي في الطاعة والإحسان والعمل الصالح ومساندة الضعفاء

أما الدكتورة حياة العيسوي، فتناولت مفهوم “البر” من زاوية قرآنية، مستشهدة بالآية الكريمة:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، مؤكدة أن البر لا يقتصر على أداء الشعائر الشكلية، بل يتجلى في الإحسان، الصدق، تقوى الله، والاهتمام بمصالح الآخرين.

أوضحت أن البر الحقيقي هو سلوك متكامل، يظهر في المعاملة، والتكافل، والإيثار، ومساندة الضعفاء، خاصةً في أوقات الشدة التي يمر بها المجتمع، مشددة على أن الإيمان لا ينفصل عن العمل الصالح والموقف الإنساني.

الجامع الأزهر: استراتيجية دعوية جديدة لتثقيف المرأة

الملتقى الأسبوعي جزء من مشروع شامل لتعزيز وعي المرأة ومكانتها في المجتمع

يُعد الملتقى النسائي الأسبوعي في الجامع الأزهر أحد ثمار النهج التوعوي الجديد الذي تتبناه المؤسسة الأزهرية، بهدف تمكين المرأة معرفيًّا وروحيًّا ودينيًّا، وتعزيز دورها في نشر الوعي وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ليس فقط في محيط الأسرة، بل في دوائر العمل المجتمعي والدعوي أيضًا.

ويحظى هذا البرنامج التثقيفي بدعم مباشر من هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية، ويشارك فيه نخبة من العالمات الأزهريات، المتخصصات في مجالات الفقه، والحديث، والدعوة، والتربية، في محاولة لتقديم نموذج نسائي أزهري جامع بين الأصالة والمعاصرة.

روحانية المرأة في خدمة الواقع

من العمرة إلى الصدقة.. الفقه الأزهري يرسم خريطة الأولويات للمرأة المسلمة اليوم

يؤكد ملتقى المرأة الأسبوعي في الجامع الأزهر على أهمية الربط بين العبادة والتكافل، بين الروح والعمل، بين الفرد والمجتمع، ويقدّم خطابًا دينيًا متوازنًا ينطلق من عمق التراث الأزهري ليخاطب تحديات الواقع.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى