وكيل الأزهر: الإعلام الأبيض شريك في التنميه والرمادي أداة لتزييف الوعي

كتب: مصطفى على
في كلمة اتسمت بالوضوح والحزم، ألقى فضيلة الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، كلمة قوية خلال مشاركته في افتتاح فعاليات برنامج تدريب الصحفيين على تغطية القضايا الدينية والإفتائية، والذي تنظمه دار الإفتاء المصرية برعاية فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، وذلك بحضور نخبة من الإعلاميين ورجال الفكر والدين.
المؤسسات الدينية الحية شريكة في توجيه الإعلام
استهل وكيل الأزهر كلمته بالتأكيد على أهمية هذا البرنامج، معتبرًا أنه تجسيد واقعي لدور المؤسسات الدينية في دعم الإعلام المهني المتخصص وأشاد بمبادرة دار الإفتاء، واصفًا اللقاء بـ”الضروري” في وقت تتسارع فيه التحديات الفكرية والاجتماعية، ويزداد فيه التأثير الإعلامي على الأذهان والقلوب.
وأضاف: “هذا البرنامج يدل على أن مؤسساتنا لا تزال حيّة، تؤدي أمانتها وتشتبك مع الواقع من أجل توجيهه وصيانته، وعلى رأس هذه المؤسسات الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية.”
الإعلام أداة حضارية خطرة.. والكلمة أقوى من السلاح
أوضح الدكتور الضويني أن الإعلام تجاوز مرحلة الجدل حول أهميته، وأصبح أحد أخطر أدوات تشكيل الوعي في المجتمعات الحديثة، لافتًا إلى أن الكلمة باتت اليوم “أقوى سلاح عرفته البشرية؛ تُبنى بها الأمم وتُهدم بها الحضارات، تشعل الحروب وتُطفئها، تُحدث الفتن أو تُحقق السلم.”
وأكد أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة تقليدية كما كان في الماضي، بل تحوّل إلى قوة ناعمة قادرة على غزو العقول وتغيير القيم والاتجاهات، داعيًا إلى أن يكون الإعلاميون على قدر المسؤولية في نقل الرسائل الدينية بدقة واحتراف، مع الالتزام بالأمانة المهنية.
الإعلام الأسود والرمادي.. خطر مزدوج على وعي الأمة
في تحذير واضح، قسم فضيلة وكيل الأزهر الإعلام إلى ثلاثة ألوان رئيسية:
الإعلام الأبيض: الصادق والمهني، الذي ينقل الحقيقة ويبني القيم
الإعلام الأسود: العدواني الصريح الذي يُبث لهدم الأوطان وزعزعة الاستقرار
الإعلام الرمادي: الأخطر، لأنه يتظاهر بالحياد بينما يخفي أجندات مشبوهة ورسائل مضللة
وأوضح أن الإعلام الرمادي يسوّق للآراء الشاذة، و”يصنع قدوات من المجاهيل”، ويزرع الفُرقة ويشوّش وعي الناس، مما يؤدي إلى تمزيق النسيج الوطني وهدم البنية الفكرية للمجتمع، خصوصًا بين فئة الشباب.
الإعلام الديني مسؤولية مشتركة: الكلمة أمانة لا سلعة
دعا الدكتور الضويني إلى تكامل العلاقة بين الإعلام والقضايا الدينية، مؤكدًا أنها ثنائية لا يجوز فصلها، بل يجب أن تقوم على التعاون والبصيرة والالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية.
وقال: “الكلمة ليست سلعة تُباع وتُشترى، بل أمانة تُحمى وتُصان، والإعلام الحقيقي هو الذي يقود الأمة نحو النهضة لا الضياع.”
وشدد على أن من واجب الإعلام الديني أن يرفع منسوب الوعي، ويصحّح المفاهيم المغلوطة، وينقل فتاوى العلماء بثقة وتدقيق بعيدًا عن الإثارة والتسطيح، معتبرًا أن “منصات الإعلام لم تُخلق لتشويه العقيدة أو تسفيه التراث”.
الأزهر لن يصمت أمام محاولات التشكيك.. ويدعم الإعلام الصادق
أكد الدكتور الضويني أن الأزهر الشريف، بمكانته المرجعية وبعلمائه ومؤسساته، “لن يقف مكتوف الأيدي أمام حملات التشكيك في العقيدة والهوية والثوابت، ولن يصمت عن قول الحق، وسيبقى حارسًا للوعي وموجهًا للرأي العام.”
وأشار إلى أن الأزهر يدرك تمامًا ما يُخطط له من خلال الإعلام المشبوه، خاصةً ما يُبثّ من شائعات وفوضى فكرية تحت غطاء البرامج والمنصات الرقمية، لافتًا إلى أن الردّ يجب أن يكون عبر إعلام رشيد وصادق ومهني، يبني ولا يهدم، ويصحّح ولا يشوّش.
رسالة إلى الإعلاميين: أنتم حماة الوعي وبناة الثقة
في ختام كلمته، وجه وكيل الأزهر رسالة قوية للإعلاميين الحاضرين، قال فيها:
“كونوا أمناء على الكلمة، فأنتم صناع الوعي، ومهنتكم ليست ترفًا بل مسؤولية اجعلوا إعلامكم وسيلة لحماية المجتمع من الفرقة والانقسام، وراعوا في تغطيتكم القيم والمبادئ التي تجمع الأمة ولا تفرّقها.”
كما دعا إلى مراجعة السطحيات التي تُشغل بها العقول، والفتاوى الشاردة التي تُقتطع من سياقها وتُطرح دون فهم، متسائلًا: “أليست هذه الشائعات والسفاسف هي المادة اليومية للحوار في البرامج؟ أليس ذلك إهدارًا للطاقة العقلية والفكرية لشبابنا؟”
الإعلام شريك في التنمية أو معطّل لها
أكد الدكتور الضويني أن الإعلام المنتج شريك في بناء المجتمع والتنمية، بينما يُعد الإعلام الهابط معطلًا لها، مشيرًا إلى أن الدول الكبرى أدركت منذ زمن قدرة الإعلام على الاستحواذ على القلوب والعقول، فجعلته ركيزة في تنفيذ استراتيجياتها الوطنية.
وختم فضيلته كلمته بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾، مؤكدًا ثقته في الإعلاميين الوطنيين الذين يحملون همّ الأمة، ويؤمنون بأن الكلمة تبني كما تهدم، وتصون كما تفسد، وهم المؤتمنون اليوم على صناعة الوعي الرشيد.

