تقارير-و-تحقيقات

البشعة.. جريمة العار بين خرافة الماضي وجرائم العصر الحديث

فتاة الإسماعيلية تكشف ظاهرة تهدد النساء والمجتمع.. ورجال الدين والطب والاجتماع والقانون يحسمون الجدل

كتب: محمود حسن محمود

في مشهد صادم أعاد إلى الأذهان أكثر الممارسات الجاهلية قسوة، وقفت فتاة من محافظة الإسماعيلية أمام قطعة حديد ملتهبة لتجرب عليها ما يعرف بـ”البشعة” لإثبات براءتها من اتهامات زوجها.

مشهد لا ينتمي إلى عام 2025 ولا إلى دولة بقيمة مصر، بل إلى زمن الأساطير والشعوذة، لكنه تكرر على أرض الواقع، مصحوباً بكاميرات المحمول، وسط ضغوط اجتماعية قاسية دفعت الفتاة إلى خوض اختبار الخرافة بدل الاحتكام للقانون.

ظاهرة «البشعة»

ظاهرة “البشعة” التي ظن كثيرون أنها اندثرت، عادت إلى السطح بقوة، لتفتح الباب لأسئلة عديدة: كيف ما زالت هذه الممارسات ترتكب؟ أين القانون؟ وكيف يتعامل الدين والطب وعلم الاجتماع مع هذه الظاهرة؟
جريدة وموقع« اليوم» تفتح الملف من كل جوانبه.

الرأي القانوني

أيمن محفوظ المحامي بالنقض في تصريحات خاصة لجريدة وموقع”اليوم“: البشعة جريمة تحاكم بعدة مواد رغم عدم وجود نص مستقل.

يؤكد المستشار القانوني أيمن محفوظ أن القانون المصري لا يعترف بجريمة اسمها “البشعة”، وهذا لا يعني إفلات مرتكبيها من العقاب.
تحت أي جرائم تندرج “البشعة”؟
يقول محفوظ: «لا يوجد نص قانوني بعنوان جريمة البشعة، لكنها تندرج تحت جرائم عديدة أبرزها الإيذاء العمدي والإصابة بالعاهة المستديمة».

ويشير محفوظ إلى أن العقوبات قد تصل إلى 10 سنوات إذا ترتب على البشعة إصابات خطيرة، وذلك وفق المواد 240 – 243 من قانون العقوبات، بالإضافة إلى اعتبار “عصا البشعة” أداة إجرامية.
كما يُصنف محفوظ الظاهرة ضمن جرائم الدجل والشعوذة والنصب طبقاً للمادة 336 عقوبات، مؤكداً أن العقوبة قد تصل إلى 3 سنوات.
وعن عقوبة من شارك أو حرض أو وافق على إجراء البشعة، يؤكد محفوظ أن القانون واضح:
المحرض شريك ويعاقب بعقوبة الفاعل الأصلي وفق المادتين 40 و41 عقوبات، كما تجرم المادة 171 عقوبات التحريض العلني إذا ترتب عليه وقوع الجريمة، ومن وافق على إجراء البشعة ضد نفسه فيقدم للمحاكمة بتهمة الإضرار بالنفس، والعقوبة قد تصل إلى السجن بحسب جسامة الإصابة.

هل تتحرك النيابة العامة دون بلاغ؟
أوضح محفوظ: «وحدات الرصد بوزارة الداخلية ومكتب النائب العام تتحرك بمجرد انتشار فيديو يمثل جريمة، حتى لو لم يتقدم أحد ببلاغ».
ويؤكد أن النيابة ملزمة وفق المادة 25 إجراءات جنائية بتحريك الدعوى إذا اكتشفت الجريمة أثناء التحقيق أو عبر الرصد الإلكتروني.
هل ما حدث يعد عنفاً ضد المرأة؟
يقول محفوظ إن مصر ملتزمة باتفاقيات دولية متعددة منها: إعلان القضاء على العنف ضد المرأة 1993، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ويشير إلى أن إجبار امرأة على “البشعة” يعد اعتداءً على سلامتها الجسدية والنفسية ولا يجوز تبريره بعرف أو تقليد.

الرأي الديني

الأزهر: البشعة باطلة شرعاً وهي من أعمال الجاهلية ولا يجوز الخضوع لها

يرى علماء الأزهر الشريف أن “البشعة” ليست من الإسلام في شيء، بل تُعد اعتداءً وظلماً وإيذاءً للنفس، وتتنافى مع مبدأ درء المفاسد وقاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.

وأكدت دار الإفتاء المصرية في بيان عبر الصفحة الرسمية على موقع “الفيس بوك” أن «البِشعة» ممارسة محرمة شرعا، ولا أصل لها في الإسلام، لأنها تقوم على الإيذاء والتعذيب ولا تستند لأي دليل معتبر في إثبات الحقوق أو نفي التهم.

وأوضحت أن الشريعة حددت طرقاً عادلة تقوم على البينات الشرعية وقاعدة «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، بما يحفظ حقوق الناس ويصون كرامتهم.

وشددت دار الأفتاء على أن مقاصد الشريعة تهدف لحماية النفس والكرامة الإنسانية، وترفض كل الممارسات المهينة أو المؤذية مهما كان العرف أو الموروث، مؤكدة ضرورة نشر الوعي بخطورة هذه العادات ودعم الثقة في مؤسسات القضاء الشرعي والقانوني.

ودعت الأفتاء في بيانها إلى صون كرامة الإنسان والابتعاد عن كل ما يعرضه للظلم والإيذاء، مؤكدة أن العدل والرحمة هما السبيل لحفظ المجتمع واستقراره.

علماء النفس والاجتماع 

تحدثت الدكتورة سارة الجيلاني، مسؤول مراكز الصحة النفسية في تصريحات خاصة لجريدة وموقع «اليوم» عن استمرار “البشعة” في بعض المجتمعات القبلية أو الريفية، مؤكده بكون ذلك ناتج عن:

  • ضعف الوعي القانوني
  • الخوف من الفضيحة
  • سيطرة العرف على حساب القانون
  • اللجوء للحلول السريعة بدلاً من المسار القضائي الطويل
  • غياب التمكين المعرفي للنساء

ويؤكد متخصصون أن تصوير الواقعة ونشرها يضاعف الأثر النفسي ويحول الضحية إلى مادة للتشهير.

ما تعرضت له فتاة الإسماعيلية لم يكن مجرد “عرف” أو “تحكيم قبلي”، بل اعتداء صريح على الجسد والكرامة، ووصمة لا يجب أن تمر مرور الكرام، والبشعة ليست حلاً ولا دليلاً على البراءة، بل ممارسة من زمن الجهل، تتنافى مع القانون والدين وحقوق الإنسان.

واليوم، يقف المجتمع أمام اختبار حقيقي: هل نسمح باستمرار خرافات تهدر حياة الناس؟ أم نتمسك بدولة القانون التي تحمي الإنسان وكرامته؟، فالقضاء العادل، والعلم الصحيح، والدين الوسطي، جميعهم يرفضون “البشعة”، والواجب الآن هو القضاء على هذه الممارسات تماماً، وتجريم الترويج لها، وتأكيد أن كرامة الإنسان لا تختبر بالنار، بل تصان بالقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى