الرئيسيةتقارير-و-تحقيقاتعرب-وعالم

153 غزيًا وجدوا أنفسهم في جنوب أفريقيا.. ما سر الرحلة الغامضة؟

تقرير: سمر صفي الدين

أثارت مغادرة 153 فلسطينيا من قطاع غزة إلى جنوب أفريقيا موجة واسعة من الجدل بعد وصولهم الخميس الماضي إلى مطار جوهانسبرغ دون حملهم أختام مغادرة إسرائيلية، مما دفع السلطات لاحتجازهم على متن الطائرة لمدة 12 ساعة وسط حالة ارتباك كبيرة.

وتكشف المعطيات الأولية أن الرحلة جرى تنظيمها عبر ترتيبات غير واضحة وبواسطة جهة مجهولة قدمت نفسها كمنظمة إنسانية، بينما تؤكد السلطات الإسرائيلية أن الركاب حصلوا على موافقة دخول من “دولة ثالثة” لم تكشف هويتها.

وتفتح هذه القضية الباب أمام نقاش واسع حول دفع الفلسطينيين نحو “الهجرة القسرية”، وكما عُرف مؤخرًا بـ”التهجير الناعم”.

غموض العملية.. وركاب لايعرفون وجهتهم

في هذا الصدد، توضح السلطات الجنوب أفريقية أن الركاب احتجزوا لساعات طويلة بسبب عدم امتلاكهم أختام خروج أو وثائق سفر كاملة، رغم تأكيد إسرائيل أنهم يحملون تأشيرات لدولة ثالثة وافقت على استقبالهم.

وتشير مصادر من مطار جوهانسبرغ إلى أن هؤلاء الركاب لم يكونوا يعرفون وجهتهم النهائية، وأنهم فوجئوا بوجودهم في جنوب أفريقيا بعد رحلة مرت عبر نيروبي، مما أدى إلى حالة صدمة بين العائلات.

كما تلمح الروايات المتقاطعة إلى أن عملية النقل تمت بإسناد إسرائيلي مباشر بدأ من داخل غزة وصولا إلى مطار رامون في النقب، حيث نقل الركاب جوا عبر شركة طيران مجهولة.

أزمة احتجاز مسافري غزة في مطار بجنوب أفريقيا سفارة فلسطين في جنوب أفريقيا

منظمة وهمية وعملات مشفرة

تكشف التصريحات الرسمية في جنوب أفريقيا أن وصول الركاب تم بترتيب من منظمة غير مسجلة تدعى “المجد أوروبا”، والتي سبق أن نظمت رحلة مشابهة نهاية أكتوبر تقل 176 فلسطينيا.

وتؤكد السلطات أن هذه المنظمة لا تملك مقرًا واضحًا ولا بيانات اتصال موثقة، بينما تبين لاحقًا أن صور مسؤوليها المنشورة عبر الإنترنت مصنوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

كما تشير تحقيقات أولية إلى أن المنظمة تقبل التبرعات حصرًا عبر العملات الرقمية، مما يعقد تتبع مصادر تمويلها وآليات عملها في مناطق النزاع.

وتسلط هذه التفاصيل الضوء على احتمال وجود عمليات اتجار بالبشر أو استغلال لحاجات السكان تحت مظلة “الإجلاء الإنساني”.

معطيات تدعو للشكوك

في سياق متصل، أكد الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا أن بلاده فوجئت بوصول الطائرة، وأن الركاب بدوا “كما لو أنهم طُردوا من غزة”، مما دفع الحكومة إلى فتح تحقيق رسمي يشمل كل مراحل الرحلة.

كما يشير رامافوزا إلى أن وزير الداخلية لم يكن على علم مسبق بالوصول. وأن القرار اتخذ بمنح الركاب حق الدخول لأسباب إنسانية مرتبطة بوضع الحرب.

وتتحدث وزارة الداخلية عن معلومات أولية تفيد بأن 130 من الركاب دخلوا البلاد. بينما واصل الـ23 الآخرون رحلاتهم إلى وجهات مختلفة.

وتربط الحكومة بين هذه العملية وتحركات أوسع تتعلق بمحاولة تهجير الفلسطينيين. مؤكدة أن المعطيات المتوفرة “تدعو للشكوك”.

رئيس جنوب أفريقيا يعلن عن إصلاحات شاملة لمكافحة الفساد | اقتصاد الشرق مع بلومبرغ
الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا

منظمة منشأة بالذكاء الاصطناعي

وعلاوة على ما سبق، أظهرت التحقيقات التي تتولاها جهات جنوب أفريقية ودولية أن منظمة “المجد أوروبا” تقف في قلب الملف. بعد تنظيمها عدة رحلات مشبوهة لا تتوفر حولها أي مستندات مالية أو قانونية واضحة.

وتؤكد تقارير إعلامية أن المنظمة تدعو الفلسطينيين للدفع عبر منصات رقمية مبهمة. وتفرض على العائلات رسومًا تتراوح بين 1400 و5000 دولار للشخص الواحد دون تقديم أي ضمانات.

ويشير تقرير بثته الجزيرة الإنجليزية إلى أن الصور التي تعرضها المنظمة لمديريها التنفيذيين منشأة بالذكاء الاصطناعي. وهو ما يعزز فرضية أن المنظمة واجهة لشبكات تهريب أو لعمليات تمويل غير قانونية.

كما تكشف تقارير موازية أن الجهات الرقابية تدرس احتمال تورط المنظمة في الاتجار بالبشر تحت غطاء الإغاثة.

من الإبادة إلى المجهول

وعلى صعيد آخر، تتحدث شهادات ركاب شاركوا في الرحلة عن معاناتهم خلال النقل. مؤكدين أنهم لم يحصلوا على ماء أو طعام لمدة يومين، وأنهم فوجئوا بتغيير وجهة الرحلة أكثر من مرة، بحسب وكالة “رويترز”.

ويصف بعض الركاب شعورهم بالخوف خلال الرحلة. بينما تؤكد إحدى النساء أنها دخلت الشهر التاسع من الحمل وكانت في حالة صحية حرجة دون أي دعم طبي.

كما تكشف الشهادات أن معظم الركاب ظنوا أنهم سيتوجهون إلى دولة عربية أو أوروبية بعد تقديم طلبات عبر الإنترنت للحصول على “رحلة إنقاذ”، دون أن يعرفوا الجهة التي ستستقبلهم.

مطار رامون في النقب
مطار رامون في النقب

الرواية الإسرائيلية

وفي المقابل، أعلنت إسرائيل عبر هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق أن مغادرة الفلسطينيين تمت بعد حصولهم على موافقة رسمية من “دولة ثالثة”. وأن كل الطلبات جرى التعامل معها ضمن آليات قانونية.

وتوضح الهيئة أن إسرائيل تتيح مغادرة غزة عبر مطار رامون أو عبر معبر الكرامة باتجاه الأردن شريطة توفر التأشيرات اللازمة.

كما أكدت مصادر أمنية إسرائيلية أن القوات رافقت الحافلات التي نقلت الركاب من داخل غزة حتى معبر كرم أبو سالم. حيث استكملت إجراءات نقلهم إلى مطار رامون.

وتبدو هذه الرواية متعارضة مع التأكيدات الجنوب أفريقية حول عدم وجود وثائق صحيحة أو تأشيرات مؤكدة عند وصولهم.

تسهيلات إسرائيلية غير مسبوقة

في هذا السياق، ربطت منظمات حقوقية جنوب أفريقية ودولية بين هذه العملية ومحاولات تهجير الفلسطينيين من غزة بطريقة غير مباشرة. مستندة إلى غياب الشفافية والوثائق إضافة إلى الدور الإسرائيلي في التسهيل.

كما تشير تحليلات إعلامية إلى أن العملية تأتي في سياق تصاعد النقاش حول “الهجرة الطوعية” من القطاع. وهي فكرة أعيد طرحها خلال الشهور الماضية ضمن خطط سياسية ذات أبعاد ديمغرافية.

وتنقل مواقع إسرائيلية معلومات حول تعليمات حكومية عليا صدرت عشية وقف إطلاق النار لتسهيل مغادرة الغزيين عبر تخفيف المعايير الأمنية. ورفع نسبة الموافقة على الطلبات إلى مستويات غير مسبوقة.

وتستنتج تلك المواقع أن المستوى السياسي في إسرائيل يسعى إلى خلق واقع ديمغرافي جديد في غزة ما بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى