عرب-وعالم

فحماوي لـ”اليوم” : 107 عامًا ووعد بلفور يتجدد بتوسع

منذ 107 سنة كتبت 67 كلمة خطها وزير الخارجية البريطاني “أرثر بلفور” في الثاني من نوفمبر عام ١٩١٧، أعرب في عن تعاطفه مع الحلم الصهيوني بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين..، 67 كلمة فقط أريقت بها دماء ملايين، وضاعت بها الحقوق واغتصبت بها الأراضي العربية، وانتهكت بها حرمات وأعراض.

الرسالة التي عرفت على المستوى الشعبي باسم وعد “بلفور”، وجهها وزير الخارجية البريطاني “للورد روتشيلد”- زعيم الاتحاد الصهيوني في بريطانيا، وقال فيها: ” عزيزي لورد روتشيلد…

لي عظيم الشرف باسم حكومة جلالته، أن أنقل لكم إعلان تعاطفها مع الطموحات الصهيونية اليهودية، التي نُقِلَت إلى مجلس الوزراء ووافق عليها، فيما يلي:

تنظر حكومة جلالته بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وستأخذ على عاتقها تيسير تحقيق ذلك الهدف، وقد أضحى واضحاً أن ذلك ليس من شأنه فعل أي شيء ينتقص من الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين، وكذلك الحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر، وأكون ممتنا حال أحطت الاتحاد الصهيوني علمًا بذلك الإعلان.

المخلص/ آرثر بلفور”

ولأن ذلك الوعد ما زال يلقي بظلاله القاتمة على المنطقة العربية، ولأن هناك وعودًا أخرى تعد تجديدًا لذلك الوعد بالتوسع، مثل وعد “دونالد ترامب” الانتخابي بتوسيع مساحة إسرائيل التي يراها صغيرة، كان لـ”اليوم” هذا اللقاء مع المناضل الفلسطيني “فارس رفيق فحماوي”- عضو الهيئة العامة لتنسيقيات المؤتمر الشعبي الفلسطيني- للحديث حول وعد “بلفور:

  • مفتاح مصادرة فلسطين

1. في البداية تحدث “فحماوي” عن رؤيته لذلك الوعد بعد قرن من الزمان على صدوره، وفي ظل معركة طوفان الأقصى فقال: “إن معركة الطوفان ما هي إلا إحدى حلقات مقاومة المشروع الغربي الاستعماري منذ (وعد بلفور)، الذي أعطى وعد لليهود الصهاينه بإقامة وطن سماه قومي لهم ، فكانت معركة طوفان الاقصى إستباقيه لما كان يخطط له العدو الاسراميكي- اختصار كلمة الإسرائيلي الأمريكي- وحلفائه لتهويد كل فلسطين وإخراج أهلها منها، وتنفيذ مشروع يهودية الدولة والسيطرة على الشرق الاوسط، لتحقيق ما أسموه نظام شرق أوسطي جديد يكون الكيان الصهيوني المسمى إسرائيل الدوله الاقوى والمهيمنة في الشرق الأوسط، والتوسع بما تتسع به الظروف (من النيل إلى الفرات ).

نعم أصدر بلفور وعدا باطلًا من الناحيه القانونيه ومن الناحيه الإنسانيه حيث لا يجوز لأحد كان أن يمنح وعدا لشعب بوطن على حساب شعب آخر في وطنه، ومن ناحية أخرى يفتقد جميع النواحي القانونية حيث يلغى الشعب الآخر في وطنه، ويهجره إلى دول أخرى.

2. وانتقل للحديث عن الجذور التاريخية المباشرة لما فعله ذلك في فلسطين، حيث فتح بابا للهجرة اليهودية إليها، فقال: عمل الانتداب البريطاني على تفعيل كلمات “بلفور” على الأرض، بتسهيل وتشجيع الهجرات اليهودية إلى فلسطين قبل عام 1948، بادعاء أن فلسطين أرض بلا سكان، بينما في الحقيقه سكانها يعمرونها منذ عهد الكنعانيين، ويملكها سكانها العرب والمسلمين الفلسطينيين.

3. ومثل كل مناضل يقاوم المحتل، يرى المقاومة حائط الصد الذي وقف ضد هجرات “بلفور” قديمًا ومازال يقف إلى الآن، فقال عن مواجهة الشعب الفلسطيني للهجرات اليهودية:

قاوم الشعب الفلسطيني هذه الهجرات بكل الطرق، بدءًا من الثورات المتتالية بين عامي 1917- 1948، ولم تكد تخمد حتى تم استئنافها أوائل الخمسينات، وما زال الحراك الثائر مستمرًا رفضًا للهجرة اليهودية.

وعلى الرغم من أن الشعب الفلسطيني لم يدخر جهدًا في المقاومة بكل الطرق الشرعية المتاحة، أخذ المندوب السامي على عاتقه إصدار المراسيم بمصادرة الأراضي من أصحابها الشرعيين، ومنحها لليهود بدون وجه حق، وبالقوة تصرف بها بدون موافقة أصحابها الشرعيين، على الرغم من مخالفة ذلك للقوانين والأعراف الدولية، بما يعد اعتداءًا مع سبق الاصرار يعاقب عليه فاعله.

4. ومن واقع ذلك الإطار التاريخي ومواجهته بالقوة، لخص “فحماوي” رؤيته لمعركة الطوفان، فقال:

ومن منطلق المقاومة، جاء طوفان الاقصى، فما هو إلا ثورة على الظلم الذي وقع على أهل فلسطين، وعلى قرارات المندوب السامي الذي تصرف بأرض فلسطين على اعتبارها ملكا شخصيا له.

  • بريطانيا وبلفور

5. وخلال الحوار كانت بريطانيا في رؤية “فحماوي” قائد جريمة احتلال فلسطين، عبر وعد “بلفور”، ورأى في حديثه أن الأسباب الاستعمارية كان أهم أسباب إصداره، فقال:

لعل أهم الأسباب التي دعت بريطانيا إلى إصدار ذلك الوعد: اتفاق الدول الاستعمارية بموجب وثيقة “كامبل” على وضع كيان غريب في المنطقه فاصلا بين أسيا العربية وإفريقيا العربية وخصوصا مصر، ما يجعل لذا إن الكيان الاحتلالي هو المهدد الرئيسي للأمن القومي المصري والعربي، حتى لا تتوحد المنطقة العربية، منعًا لتحقيق القوة العربية بوحدة العرب على جانبي أسيا وإفريقيا.

6. وعرج المناضل السياسي في حواره معنا على تكذيب الادعاءات اليهودية أو (الخرافات) كما يسميها هو، فقال:

فكرة أن اليهود عاشوا في فلسطين “خرافة”، ابتدعوها على الرغم من أنهم لم ينزلوا بفلسطين في عهد “موسى”- عليه السلام- وإنما نزلوا في الصحراء، ولم يعرف تاريخيًا أي صحراء .

7. وتابع متحدثًا عن مكاسب بريطانيا والقوى الاستعمارية من “وعد بلفور”:

أهم ما جنته بريطانيا ومن ثم القوى الاستعمارية والإمبريالية المعاديه من ذلك الوعد هو إبقاء المنطقه في حالة تشرذم، وإبقاء حالة التجزأه، تحقيقًا لمبدأ المعروف “فرق تسد”، وبالتالي ضعفت الأمة العربية وتمكنوا من السيطره عليها ونهب خيراتها.

8. واستنكر المناضل الفلسطيني في حديثه تلك الدعوات التي ظهرت في الآونة الأخيرة لتبرئة بريطانيا من فكرة إنشاء (إسرائيل)، بحجة أنها دعت لوطن وليست لإقامة دولة مع ضمان حقوق الجماعات الأخرى، وعلق عليها متحدثًا على المطالبات الموجهة للحكومة البريطانية بالاعتذار عن الوعد، فقال:

في الحقيقة الأمر يستوجب الاعتذار والعقوبة، لأن وعد “بلفور” جاء من وزير الخارجية البريطاني أنذاك بشكل رسمي، على الرغم من أن أرض فلسطين ليست أرض حكومة الانتداب البريطاني، وليس للمندوب السامي البريطاني آنذاك أن يقول: “هذه الأرض لكم”، ولا من حقة مصادرة الأرض الذي تم في عهد حكومة الانتداب البريطاني، لأن الطابو العثماني- حق التصرف في الأراضي أو منع التصرف فيها- الذي أضحى طابو بريطاني إبان الانتداب، هو ملكًا للشعب الفلسطيني وليس ملكًا لآخرين.

وبناءًا على ذلك ارتكبت بريطانيا فعل مخالف للقانون الدولي والأعراف الدولية، ويجب أن تعاقب بريطانيا وفقًا للقانون الدولي، وإذا أرادت الاعتذار، فالاعتذار الوحيد هو إلغاء الاعتراف بكيان الاحتلال في فلسطين، وعلى المتخصصين في مجال القانون الدولي أن يطالبوها بتعويضات للشعب الفلسطيني عن كل ما لحق به من مآسي، عقب إعلانهم عدم قانونية وجود الاحتلال على أرض فلسطين.

9. وأوضح حديثة عن التعويضات، التي يراها أشمل من فكرة التعويض بالأموال، قائلًا:

والتعويض هنا ليس تعويضها ماديا فقط، إنما يكون التعويض على جانبين، الأول تحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها وضمان حق العودة، ثم بعد ذلك تعويض الشعب الفلسطيني عن المآسي التي عاشوها، فنحن لاجئين وعلى سبيل المثال: محدثك لاجئ فبأي حق أعيش عمري في مخيم، بأي حق أعيش ووطني مسلوب ومغتصب، ما من حق يكفل ذلك بالطبع.

  • ظلال بلفور على العصر الحديث

ومثل كل مناضل، لم يرَ الحراك المقاوم في فلسطين ولبنا وجميع جبهات المقاومة إلا إصلاحها لما أفقده بلفور، حيث أكد أن: استمرار الحراك الوطني الجهادي والمقاوم بفلسطين ولبنان وجبهات الإسناد كفيل بدفع اليهود لمغادرة فلسطين والعودة إلى البلاد التي جاءوا منها.

10. وعلى ذكر البلاد التي جاء منها اليهود، كان حديثة عن الاستفاقة التي انبلج فجرها في أوروبا وأمريكا عقب معركة الطوفان، فقال:

كانت معركة طوفان الأقصى نقطة تحول في الدعم الدولي لإسرائيل، إذ أنه قبل الطوفان كان الحديث يجري عما يعر بالشرعية الدولية- التي هي بالأساس مخالفة للقانون الدولي لأنها تثبيت للاحتلال على الأراضي الفلسطينية- أما الآن بدأت مؤسسات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث غير المتصهينة في أمريكا وأوروبا في بحث قانونية وجود الكيان على أرض فلسطين.

لذا أدعو الآن إلى الاحتكام للقانون الدولي، لأن المؤسسات الدولية بدأ تستفيق من موضوع الحق التاريخي للعدو لإقامة دولته على أرض فلسطين، وأكذوبة الأرض بلا شعب، لذا يجب علينا الآن أن نناضل من أجل هذه الاستفاقة.

11. عند تلك النقطة سألناه مباشرة: ما نوع وشكل النضال الذي يجب المضي فيه لاستكمال تلك الاستفاقة وجعلها واقعًا على الأرض؟

الحقيقة إن الكفاح المسلح والنضال الفلسطيني، ومقاومة المشروع الصهيوني أو كما أسميته المشروع (الإسراميكي)، فقد جاءت معركة الطوفان ضربة استباقية لهذا المشروع الذي كان يجري الإعداد له، بتهويد كامل أرض فلسطين، والطغيان على منطقة الشرق الأوسط، وقد رأينا جميعا الخرائط التي عرضها “نتنياهو”، ووصلت مرحلة أن يقول “سموتيريتش” أن إسطنبول أرض يهودية.

الآن المقاومة هي من تحد من هذا التغول، فالمعركة الحالية معركة وجود، ونحن أصحاب حق فالنصر لنا، ويجب إرغام الكيان على الخضوع للقانون الدولي.

12. الحديث عن القانون الدولي يوقظ السؤال عن التلاعب اليهودي، فهل يمكن أن يستند الاحتلال وداعميه إلى خطاب “بلفور” باعتباره وثيقة تثبت حقهم في فلسطين؟

لا يمكن اعتبار وثيقه الوعد مستند قانوني، إذ أنها من الأصل وثيقه باطلة، فلا يجوز إعطاء وعد بأرض ليست ملكا لهم، حيث لم تكن بريطانيا تملك شبرًا من أراضي فلسطين.

13. وحول ظلال وعد “بلفور” على العصر الحديث، تبلورت رؤية “فحماوي” لتبعات وتجديد الوعود للاستيلاء على كامل فلسطين، فقال:

الإدارة الأمريكية إدارة متصهينة، وحتى المرشحين الجدد في الانتخابات كلاهما ضد مصالح الشعب الفلسطيني، ومن أنصار يهودية الدولة والتوسع الصهيوني، إنما الخلاف بينهم في الآليات وليس في الإستراتيجية.

ومن هنا يمكننا اعتبار تصريحاتهم- التي يأتي من بينهما وعود “ترامب” بالتوسع- تجديدًا لوعد “بلفور”، وهذا هو مشروعهم الحالي وعد “بلفور” جديد بتوسع ممثلا في: إيجاد الدولة اليهودية على أرض فلسطين بالكامل والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من كل تلك التبعات والمآسي التي خلفتها تلك الكلمات الماكرة “لبلفور”، ومارآه العالم أجمع منها، كان “بلفور” من سعداء الحظ، حيث وجد من يراه رسولا للنزاهة والسلام في العالم، ونقش ذلك على النصب التذكاري له في إحدى الكنائس جنوب شرق إسكتلندا، في كلمات مقتضبة تقول: “في ذكرى أرثر بلفور الذي تمكن عبر قدراته العقلية والروحية، باعتباره رجل دولة وفيلسوف من إثراء مملكة العقل ودعم الحقيقة والنزاهة والسلام في العالم”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى