د. عاطف الصغير يكتب: من حرارة الشمس إلى أمل الحصاد.. معركة الزراعة ضد التغيرات المناخية

د. عاطف الصغير: استاذ مساعد بكلية الزراعة جامعة االزهر
تشكل التغيرات المناخية تهدي ًدا عالميًا متزاي ًدا للزراعة وإنتاج الغذاء، حيث أصبحت الظواهر المناخية المتطرفة مثل موجات الحر، الجفاف، والفيضانات أكثر شدة وتكرا ًرا، مما يؤدي إلى خسائر كبيرة في إلنتاج الزراعي وارتفاع معدالت انعدام األمن الغذائي. تشير تقارير منظمة األغذية والزراعة (FAO)، إلى أن التغيرات المناخية قد تتسبب في انخفاض إنتاج المحاصيل الزراعية بنسبة تصل إلى %30بحلول
منتصف القرن الحالي، مع تأثيرات أكثر حدة في المناطق األكثر هشاشة مثل إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا.
على المستوى االقتصادي، يقدر البنك الدولي أن الخسائر الناجمة عن تأثير التغيرات المناخية على الزراعة، مما يضع ضغطً ى اقتصادات الدول النامية قد تصل إلى 4 تريليونات دولار.
تشير بيانات برنامج األمم المتحدة للبيئة
(UNEP) إلى أن التصحر وتدهور الأراضي الزراعية، المدفوعين بالتغيرات المناخية وسوء إدارة الموارد، يؤديان إلى فقدان نحو 12مليون هكتار من األراضي الصالحة للزراعة سنويًا، وهو ما يعادل خسارة كميات من الغذاء تكفي إلطعام أكثر من 20مليون شخص.
هذه الأرقام تعكس مدى خطورة التغيرات المناخية على الزراعة كقطاع حيوي إلطعام سكان العالم الذين يُتوقع أن يصل عددهم إلى 10مليارات شخص بحلول عام 0202. ومع تفاقم هذه التحديات، أصبحت الحاجة إلى تبني نظم زراعية مستدامة وتطوير استراتيجيات فعالة للتكيف مع التغيرات المناخية أكثر إلحا ًحا من أي وقت مضى، بهدف ضمان استدامة إنتاج الغذاء وتقليل الفجوة الغذائية العالمية.
وفي هذا السياق، تولي الدولة المصرية أهمية قصوى لتعزيز األمن الغذائي من خًلل استراتيجية شاملة تضع التكيف مع التغيرات المناخية في صميم أولوياتها، وذلك تحت مظلة الجمهورية الجديدة التي تعكس رؤية طموحة للتنمية المستدامة.
يشير تقرير حديث صادر عن البنك الدولي إلى أن التغيرات المناخية قد تؤدي إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية بنسبة تصل إلى %30-20بحلول عام 0202 إذا لم يتم اتخاذ خطوات جادة للتكيف.
وبالنظر إلى اعتماد االقتصاد المصري بشكل كبير على الزراعة، التي تمثل حوالي %7.14من الناتج من القوى العاملة وفق الجهاز المركزي ً المحلي اإلجمالي وتوفر فرص عمل لحوالي %25 ا إلحصائيات ، فإن هذه التحديات تستدعي حلوًال للتعبئة العامة واإلحصاء لعام 0200 مبتكرة ومشروعات ضخمة للتصدي من إطار رؤية مصر 0202 ،التي تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة لألمم المتحدة، تعمل الدولة المصرية على تعزيز االستدامة في القطاع الزراعي عبر استراتيجيات شاملة. أحد أبرز هذه المشروعات هو الدلتا الجديدة، الذي يمتد على مساحة 2.2مليون فدان ويهدف إلى استصًلح األراضي الزراعية
باستخدام تقنيات حديثة مثل أنظمة الري الذكية والطاقة المتجددة. يُتوقع أن يساهم هذا المشروع في إنتاج
كميات ضخمة من المحاصيل االستراتيجية، مثل القمح والذرة، بما يلبي احتياجات السوق المحلي ويقلل من الاعتماد على الواردات التي تتجاوز قيمتها 4مليارات دوالر سنويًا .عًلوة على ذلك، يوفر المشروع فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لما يزيد عن 5مًليين شخص، ما يدعم النمو االقتصادي واالجتماعي.
تتبنى مصر أي ًضا مبادرات تعاونية دولية لتعزيز قدرتها على مواجهة التغيرات المناخية. من بين هذه المبادرات، يأتي مشروع “تعزيز مرونة نظم اإلنتاج الزراعي”، الذي تنفذه الدولة بالتعاون مع البنك الدولي وبرنامج األمم المتحدة اإلنمائي. يستهدف هذا المشروع تحسين إدارة الموارد المائية من خًلل أنظمة ري متطورة، باإلضافة إلى تطوير تقنيات زراعية مقاومة للجفاف والحرارة. تشير التقديرات إلى أن هذه الجهود
يمكن أن تزيد من إنتاجية المحاصيل بنسبة تصل إلى %15خًلل العقد القادم، مع تقليل االنبعاثات الكربونية
بنسبة كبيرة.
على المستوى المحلي، أطلقت الدولة مشروعات مبتكرة لدعم المجتمعات الريفية وتحسين جودة الحياة فيها.
ومن بين هذه الجهود، يأتي بروتوكول التعاون بين وزارة الزراعة واستصًلح األراضي والبنك الزراعي المصري، حيث يهدف هذا البروتوكول إلى دعم صغار المزارعين من خًلل تقديم التمويل الًلزم وتوفير تقنيات حديثة لتحسين اإلنتاجية وتقليل الفاقد. باإلضافة إلى ذلك، تعمل الدولة على توسيع نطاق زراعة
المحاصيل المقاومة للملوحة والجفاف، التي تعد عنص ًرا أساسيًا في التكيف مع التغيرات المناخية.
تشير التقارير الدولية إلى أن التغيرات المناخية تؤثر بالفعل على نحو %50من األراضي الزراعية في إضافية على موارد المياه والطاقة. وللتعامل مع منطقة الشرق األوسط وشمال أفريقيا، مما يفرض ضغوطً هذا الواقع، تتجه مصر نحو االستثمار في الزراعة المستدامة الذكية التي تعتمد على تقنيات البيانات الضخمة والذكاء االصطناعي لتحسين إدارة المحاصيل وتوقع التغيرات المناخية. باإلضافة إلى ذلك، تعمل الدولة على تعزيز استخدام الزراعة المائية والزراعة العمودية، التي تقلل من استهًلك المياه بنسبة تصل إلى %90 مقارنة بالزراعة التقليدية، وتزيد من إنتاجية المحاصيل لكل وحدة مساحة الدولة المصرية نموذ ًجا حيًا للتخطيط االستراتيجي الذي يوازن بين احتياجات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
تعمل القيادة السياسية على حشد الموارد الًلزمة لدعم التحول نحو نظم زراعية مستدامة، تتماشى مع األولويات الوطنية والدولية. في هذا السياق، تعد مصر شري ًك اريس للمناخ، ا فاع ًًل في اتفاقية بحيث تلتزم بتقليل االنبعاثات الكربونية وتعزيز االستثمار في الطاقة النظيفة. ومن خًلل هذه الجهود، تسعى مصر إلى تحقيق االكتفاء الذاتي الغذائي، تقليل الفجوة الغذائية، وتحقيق التوازن بين اإلنتاج الزراعي واحتياجات المجتمع، مما يسهم في تعزيز موقعها كقوة إقليمية في مجال األمن الغذائي.
في ظل هذه الرؤية الطموحة، تستمر الدولة المصرية في العمل على تطوير القطاع الزراعي ليكون أكثر مرونة وكفاءة، مع التركيز على االبتكار واالستدامة كعناصر رئيسية لمواجهة التحديات المناخية والاقتصادية.
لذا فإن هذه الجهود المتكاملة ال تسهم فقط في تحسين األمن الغذائي المحلي، بل تضع مصر في موقع الريادة اإلقليمية والدولية في مواجهة التحديات المناخية وتحقيق التنمية المستدامة.


