ذاكرة اليوم.. الأزهر ولجنة المصحف الشريف حُراس القرآن عبر العصور

تعد لجنة مراجعة المصحف الشريف بالأزهر واحدة من أبرز المؤسسات في العالم الإسلامي التي لا تقتصر مهمتها على تدقيق النصوص القرآنية، بل تمتد لتشمل ضمان دقة النقل والحفاظ على التراث القرآني عبر العصور.
منذ نشأتها في بداية القرن العشرين، واجهت اللجنة تحديات كبيرة نتيجة لانتشار الطباعة والتكنولوجيا الحديثة.
ومع ذلك، استمرت في الوفاء برسالتها الدينية والعلمية في الحفاظ على قدسية النص القرآني حيث تمكنت من بناء أساس متين في علم القراءات والتجويد، وظلت مرجعية في كل ما يتعلق بطباعة المصاحف والمراجعة الرقمية.
النشأة والرسالة الأولى (1907-1914): بداية الرحلة
في بداية القرن العشرين، ومع انتشار تقنيات الطباعة في العالم الإسلامي، برزت الحاجة الملحة لتأسيس لجنة متخصصة لمراجعة المصاحف التي كانت تُطبع لتأكيد دقتها كانت أولى خطوات هذه اللجنة غير الرسمية في عام 1907 تحت إشراف الأزهر الشريف.
التحديات الأولى للمراجعة
واجه الأزهر تحديات عدة في هذه المرحلة، أبرزها صعوبة تدقيق النصوص المحفوظة يدويًا وتكرار الأخطاء الإملائية في النسخ القديمة للمصحف الأمر الذي دفع العلماء إلى ضرورة مراجعة المصاحف المطبوعة باستخدام تقنيات جديدة لم تتوفر في تلك الفترة، وكان من أبرز العلماء الذين عملوا على هذه المهمة:
الشيخ محمد بيومي: الذي كان خبيرًا في علوم القراءات ويُعدّ من أبرز القامات القرآنية في الأزهر.
الشيخ محمد الحمداني: الذي كان متخصصًا في اللغة العربية.
الشيخ محمد علي خلف الحسيني: الذي كان يشغل منصب عالم قرآني مرموق في تلك الفترة.
هدف هؤلاء العلماء إلى التحقق من رسم المصحف وفقًا للرسم العثماني الذي أقرّه الخليفة عثمان بن عفان لضمان صحة قراءة القرآن وفقًا للقراءات المعتمدة.
1923: مرحلة “مصحف الملك فؤاد”
كان إصدار “مصحف الملك فؤاد” في عام 1923 بمثابة تحول رئيسي في عمل اللجنة، حيث بدأ الأزهر في التركيز على تأصيل معايير دقيقة لطبعات المصحف كانت هذه المرحلة نقطة فارقة في عمل لجنة المراجعة، إذ تم إصدار النسخة الأكثر دقة من المصحف التي حافظت على النصوص وفقًا للمعايير الصارمة التي وضعتها اللجنة.
أعضاء اللجنة في هذه المرحلة
على الرغم من التحديات التي واجهتها اللجنة في تلك الفترة، نجحت في إصدار نسخة موحدة تم مراجعتها بشكل دقيق من قبل مجموعة من العلماء، وهم:
الشيخ حفني بك ناصف: أستاذ اللغة العربية والقراءات، الذي عمل على تدقيق النصوص.
الشيخ مصطفى عناني: من أبرز العلماء في علوم التجويد.
الشيخ أحمد الإسكندراني: الذي تميز بمهاراته في ضبط المصاحف بشكل دقيق.
كانت هذه النسخة هي البداية الحقيقية لمعايير الطباعة الحديثة للمصحف الشريف التي اعتمدت على إضافة علامات الوقف الدقيقة وأحكام التجويد الواضحة.
مرحلة التأسيس المؤسسي (1956): لجنة دائمة لمراجعة المصحف
في منتصف القرن العشرين، ومع إنشاء مجمع البحوث الإسلامية في عام 1956، تم تأسيس لجنة دائمة لمراجعة المصحف الشريف تحت إشراف الأزهر وقد كان الهدف من ذلك هو توفير استدامة العمل العلمي في مجال مراجعة المصاحف المطبوعة وضمان توافقها مع النص القرآني الأصلي.
التوسع في نطاق عمل اللجنة
لم تقتصر مهام اللجنة على مراجعة المصاحف المطبوعة في مصر فقط، بل بدأت في تدقيق المصاحف التي يتم طباعتها في الخارج، خاصة في الدول الإسلامية التي تشهد ازديادًا في عدد السكان المسلمين كما بدأ الأزهر في إنشاء آليات جديدة لمراجعة المصاحف المترجمة إلى لغات مختلفة مثل الإنجليزية، الفرنسية، والإندونيسية.
التحول نحو المؤسسات العلمية المتخصصة
الشيخ علي محمد الضباع: شيخ عموم المقارئ المصرية في تلك الفترة، كان له دور كبير في تطوير علم القراءات. الشيخ عبد الفتاح القاضي: الذي كان خبيرًا في التجويد، لعب دورًا في تحسين جودة ضبط المصاحف. الأستاذ محمد علي النجار: الذي كان عالمًا لغويًا متخصصًا، ساهم في تدقيق النصوص من الناحية اللغوية.
التطورات الكبرى في عمل اللجنة (1970-1990)
مع دخول السبعينيات والثمانينيات، برزت تحديات جديدة أمام اللجنة، خاصة مع تطور تقنيات الطباعة.
التحديات الفنية والتقنية
ظهرت تقنية الطباعة الحديثة التي أدت إلى تحول جذري في عمل اللجنة، حيث كان من الضروري التأكد من أن النص القرآني يُطبع وفق الرسم العثماني باستخدام الأدوات التقنية الحديثة. وكان من بين أبرز التحديات:
استخدام خطوط إلكترونية تتناسب مع التصميم التقليدي للمصحف.
التحقق من الترقيم الدقيق للمصاحف التي تحتوي على صفحات ملونة.
توسيع نطاق المراجعة
بدأت اللجنة في مراجعة المصاحف التي تُطبع في الدول الإسلامية الأخرى كما بدأ الأزهر في الإشراف على المصاحف المترجمة إلى اللغات الأخرى، مما يعكس اهتمامه بضمان صحة المعنى القرآني في جميع الترجمات.
القرن الحادي والعشرون: التحديات الرقمية والابتكار
مع انتشار المصاحف الإلكترونية في القرن الواحد والعشرين، واجهت اللجنة تحديات جديدة تتعلق بمراجعة هذه النسخ الرقمية فبحلول هذه الفترة، أصبح من الضروري توفير أدوات وتقنيات جديدة لتلبية متطلبات العصر.
مراجعة المصاحف الرقمية
أحد أبرز التحديات كانت تتعلق بـ مراجعة التطبيقات القرآنية والتأكد من صحة النصوص القرآنية في المواقع الإلكترونية أصبحت اللجنة مسؤولة أيضًا عن ضبط القراءة الصوتية للمصحف في التطبيقات الإلكترونية باستخدام التقنيات الحديثة لضمان صحة النطق والتجويد.
فتح باب العضوية (2023)
في خطوة كبيرة نحو التطوير، أعلن الأزهر الشريف عن فتح باب العضوية في اللجنة لأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة.
ومن بين هذه الفئات المكفوفين الذين يتقنون القراءة بطريقة برايل و الصم الذين يتقنون لغة الإشارة هذه المبادرة تهدف إلى توفير مصاحف مخصصة لهذه الفئات، مما يعكس تطورًا كبيرًا في خدمة القرآن الكريم لجميع المسلمين.
هيكل اللجنة الحالي ودورها المعاصر
تتألف لجنة مراجعة المصحف الشريف حاليًا من علماء متخصصين في مجالات علمية متعددة، لضمان مراجعة دقيقة للمصحف. وتشمل هذه التخصصات:
علم القراءات: لضمان التزام النصوص بالقراءات الصحيحة.
علم التجويد: لضبط علامات الوقف والتشكيل.
اللغة العربية: لمراجعة النصوص لغويًا ونحويًا.
تقنيات الطباعة الحديثة: لمراجعة التصميم والطباعة.
الإجراءات الصارمة للمراجعة
تمر المصاحف بعدة مراحل تدقيق صارمة تشمل:
1. المراجعة الأولى لضمان صحة النصوص.
2. مراجعة علامات الوقف والتجويد.
3. الفحص النهائي للتأكد من خلو المصحف من أي أخطاء قبل إجازته.
أبرز الإنجازات
1. إصدار مصاحف برايل: تم توزيعها في أكثر من 15 دولة حول العالم، مما يتيح للمكفوفين قراءة القرآن الكريم.
2. مراجعة المصاحف بلغات أجنبية: تمت مراجعة أكثر من 50 ترجمة للمصحف، ما يعكس دور الأزهر في توحيد المعايير القرآنية.
3. مراجعة التطبيقات القرآنية: تم إجازة أكثر من 30 تطبيقًا إلكترونيًا لضمان دقة النصوص والقراءات.
التحديات المستقبلية
1. التوسع العالمي: مع تزايد الطلب على المصاحف المترجمة والمصاحف الرقمية، تتسارع الحاجة إلى تطوير آليات المراجعة لتشمل دولًا ومجتمعات أكبر.
2. التقنيات الحديثة: ضرورة مواكبة التطور التكنولوجي، خاصة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة المراجعة.
3. الاحتياجات التدريبية: ضرورة تدريب الأعضاء الجدد على الأدوات الرقمية المتطورة مع الحفاظ على المعايير التقليدية للمراجعة.
رؤية اللجنة للمستقبل
يطمح الأزهر الشريف إلى تعزيز دور لجنة مراجعة المصحف الشريف كمرجعية رئيسية للمسلمين في العالم وتشمل الرؤية المستقبلية:
التعاون الدولي مع دور الطباعة الإسلامية الكبرى.
استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين أدوات المراجعة.
إصدار مصاحف مخصصة لفئات مثل المكفوفين والصم.
لقد أثبتت لجنة مراجعة المصحف الشريف بالأزهر الشريف قدرتها على التكيف مع تطور الأزمنة والأدوات التقنية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على قدسية النص القرآني. عبر أكثر من قرن من الزمن، تعد هذه اللجنة صرحًا علميًا فريدًا يمثل حماية كتاب الله من التحريف ويضمن دقة النصوص القرآنية في جميع أنحاء العالم.




