منذ ظهوره على الساحة السياسية، شكل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة استثنائية في سياسة بلاده الخارجية، سواء بأسلوبه الخطابي الشعبوي أو بتوجهاته غير التقليدية في السياسة الخارجية.
ومع بدء ولاية مالك زمام البيت الأبيض الثانية، لا يزال التساؤل الرئيسي مثارًا حول كيفية تعامل ترامب مع صراعات الشرق الأوسط التي تعج بالأزمات الجيوسياسية.
عقيدة “أميركا أولاً”
تتمحور عقيدة ترامب السياسية حول مبدأ “أميركا أولاً”، وهو نهج قائم على تقليص التدخلات العسكرية، وفرض سياسات اقتصادية حمائية، وممارسة الضغط على الحلفاء لتولي مسؤولياتهم الأمنية والمالية.
هذا التوجه سبق أن انعكس على تعامل إدارته في فترته رئاسته الأولى مع قضايا الشرق الأوسط، على غرار الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 إلى دعم اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية فيما يُعرف بـ”اتفاقيات أبراهام”.
الملف الإيراني
شكلت إيران محوراً رئيسياً في سياسة ترامب الخارجية، حيث اتخذ نهج “الضغط الأقصى” عبر فرض عقوبات قاسية تهدف إلى تقويض النفوذ الإيراني الإقليمي.
ومن المتوقع، أن يعود ترامب إلى تشديد العقوبات ومحاولة إحياء استراتيجية الردع، بدلاً من النهج الدبلوماسي الذي تبنته إدارة بايدن عبر محادثات فيينا.
الأراضي المحتل واستمرار سياسة الانحياز
خلال ولايته الأولى، أظهر ترامب انحيازاً غير مسبوق لإسرائيل، بدءاً من نقل السفارة الأميركية إلى القدس عام 2018، مروراً بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري، وصولاً إلى طرح “صفقات مشبوهة” التي لم تلق قبولاً فلسطينياً.
والرئيس ترامب اقترح ما وصفه بـ”تطهير غزة”، والذي يتضمن نقل نحو 1.5 مليون فلسطيني من قطاع غزة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، وبرر ذلك بأن غزة “مكان مدمر” وأن هذا الخيار قد يكون “مؤقتًا أو طويل الأجل”.
وفي ظل التوتر الحالي في غزة والضفة الغربية، من المرجح أن يواصل ترامب دعمه غير المشروط لإسرائيل، مع تقليل الاهتمام بحل الدولتين.
الملف السوري
أحد أبرز قرارات ترامب في الشرق الأوسط كان سحب القوات الأميركية من شمال سوريا عام 2019، ما اعتُبر تخلياً عن الأكراد الذين كانوا حلفاء رئيسيين في الحرب ضد الجماعات المتطرفة.
وسياسة الانسحاب تعود مجدداً، ما قد يترك فراغاً استراتيجياً تستغله قوى إقليمية صاعدة لتعزيز نفوذها في سوريا.
وبالتالي سيؤثر بشكل كبير على الوحدات الكردية في سوريا التي كانت تحظى بدعم أمريكي، هذا الأمر قد يضعف موقفهم وتعرضهم لمخاطر أمنية متزايدة.
وكذلك سيكون لانسحاب القوات الأمريكية انعكاسات على تعزيز النفوذ الإيراني في سوريا، وهو ما يمثل تهديدًا كبيرًا لإسرائيل والدول الأخرى في المنطقة.
الشراكة مقابل المال
اتسمت علاقة ترامب بدول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات، بأنها قائمة على “الصفقات”، حيث عزز مبيعات الأسلحة وأخذ موقفاً داعماً خلال أزمة المقاطعة العربية لقطر 2017.
لكنه في الوقت نفسه لم يتخذ إجراءات قوية بعد الهجوم الإيراني على منشآت أرامكو عام 2019، وفي مؤشر لعودة هذه السياسة كشفت تقارير عن مطالبته حلفاءه الخليجيين بمزيد من الاستثمارات في الولايات المتحدة.
ومن المتوقع مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أن نشهد عودة السياسات القائمة على الضغوط الاقتصادية والعسكرية، وتقليص الالتزامات الأميركية في المنطقة مع ترك هامش أوسع لحلفاء واشنطن لتحمل المسؤولية، إلا أن هذه المقاربة قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية.




