مسجد السيدة نفيسة.. منارة إسلامية عبر العصور

وسط زخم القاهرة التاريخية يبرز مسجد السيدة نفيسة كأحد أبرز المعالم الدينية التي تجمع بين الطابع الروحي والعمارة الإسلامية العريقة فمنذ تشييده لأول مرة في العصر العباسي مر المسجد بمراحل تطوير متعاقبة لكنه حافظ على مكانته كقبلة للمصلين والعلماء على مدار العصور.
وفي عام 2025 شهد المسجد عملية تطوير شاملة بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي ضمن خطة الدولة لترميم وحماية مساجد آل البيت بما يليق بمكانتها الدينية والتاريخية. تحقيقنا اليوم يسلط الضوء على تاريخ المسجد التطويرات التي شهدها، ودوره كمركز للروحانية والعلم.
محطات بارزة في تاريخ المسجد: من العصر العباسي إلى العصر العثماني
نشأة المسجد في العصر العباسي
ترجع جذور مسجد وضريح السيدة نفيسة إلى العصر العباسي، عندما استقرت السيدة نفيسة، حفيدة الإمام الحسن بن علي في مصر عام 193هـ بعد وفاتها، قرر والي مصر عبيد الله بن السري بناء ضريح لها عام 206هـ تخليدًا لذكراها، خاصة بعدما اشتهرت بين المصريين بعلمها وتقواها.
التطويرات الفاطمية والمملوكية
مع دخول مصر تحت الحكم الفاطمي زاد الاهتمام بضريح السيدة نفيسة حيث أمر الخليفة المستنصر بالله عام 482هـ بإضافة قبة مزخرفة فوق الضريح، وتوسع المسجد ليشمل مرافق جديدة.
لاحقًا، في عهد الخليفة الحافظ لدين الله عام 532هـ، شهد المسجد أعمال توسعة كبرى حيث أضيف إليه محراب رخامي مزخرف يعكس الفن الإسلامي الفاطمي في أبهى صوره.
أما في العصر المملوكي، فقد أمر السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 714هـ ببناء مسجد ملاصق للضريح ليصبح مركزًا رئيسيًا للعبادة والتعليم الديني.
العهد العثماني وإعادة بناء القبة
شهد المسجد عدة إصلاحات خلال الحكم العثماني وأبرزها كان في عهد الأمير عبد الرحمن كتخدا عام 1173هـ الذي قام بتوسيع المسجد وإعادة بناء قبة الضريح، مضيفًا إليها نقوشًا وزخارف مميزة.
كارثة الحريق وإعادة الترميم في العصر الحديث
في عام 1310هـ (1892م)، تعرض المسجد لحريق مدمر ما دفع الخديوي عباس حلمي الثاني إلى إعادة بناء المسجد بالكامل، ليأخذ شكله الحالي الذي ظل صامدًا حتى يومنا هذا.
مشروع تطوير المسجد في عهد الرئيس السيسي: نقلة نوعية في البنية والخدمات
في إطار رؤية مصر 2030 للحفاظ على التراث الإسلامي، أطلقت الدولة مشروعًا ضخمًا لتطوير مسجد السيدة نفيسة، ضمن خطة شاملة تشمل مساجد آل البيت.
تفاصيل خطة التطوير
بدأت أعمال التجديد في عام 2022 واستمرت على ثلاث مراحل بتكلفة إجمالية بلغت 52 مليون جنيه شملت عدة محاور:
1. ترميم الواجهات التاريخية، وإعادة تأهيل الجدران والنقوش الإسلامية.
2. تحسين البنية التحتية، بما يشمل أنظمة الصرف الصحي والكهرباء والمياه.
3. تحديث أنظمة الإضاءة والصوتيات، بما يوفر تجربة روحانية محسنة للمصلين.
4. إعادة ترميم الضريح والمقصورة النحاسية للحفاظ على طابعها الإسلامي الأصيل.
5. تجديد المسجد القديم بالكامل، إضافة إلى تحسين المداخل، مسارات الزيارة، المرافق الإدارية.
6. إعادة تأهيل الأسطح، القبتين، المئذنتين، ودورات المياه لضمان الحفاظ على معايير النظافة والصيانة.
كيف انعكست التجديدات على الزوار والمصلين؟
تحدثنا مع عدد من زوار المسجد بعد انتهاء أعمال التطوير، حيث عبروا عن إعجابهم بالتحسينات الكبيرة التي شهدها المكان.
الحاج محمد حسن، أحد رواد المسجد منذ 30 عامًا، قال:
“قبل التجديد، كان المسجد يحتاج إلى إصلاحات ضرورية خاصة في أنظمة التهوية والصوتيات الآن أصبح أكثر راحة وجمالًا، مع الحفاظ على أصالته.”
أما أم ياسين، زائرة من مدينة المنصورة، فأكدت أن المسجد أصبح أكثر تنظيمًا وسهل الوصول، قائلة:
“زيارتي إلى مسجد السيدة نفيسة أصبحت تجربة روحانية أكثر عمقًا، خاصة مع تحسين الإضاءة والزخارف الداخلية.”
الطراز المعماري الفريد للمسجد: نموذج للعمارة الإسلامية
يتميز مسجد السيدة نفيسة بطراز معماري يجمع بين الفن الفاطمي والمملوكي والعثماني.
المئذنة: تعلو المسجد مئذنة مملوكية الطراز مزخرفة بنقوش إسلامية دقيقة.
القبلة والمحراب: يتوسط جدار القبلة محراب رخامي مزين بالقاشاني الملون يعكس جماليات الفن الإسلامي.
القبة الضخمة: تعلو الضريح قبة عثمانية فريدة مدعومة بأربعة أركان ضخمة.
المقصورة النحاسية: تحيط بالضريح مقصورة مزخرفة بالنقوش العربية الهندسية.
السيدة نفيسة.. رمز العلم والتقوى في مصر
لم يكن ارتباط المصريين بالسيدة نفيسة مجرد ارتباط ديني بل كان أيضًا علاقة علمية وروحية.
لقبت بـ”نفيسة العلم”، حيث درست الفقه والحديث في المدينة المنورة وكانت من أبرز تلاميذ الإمام مالك بن أنس.
عند استقرارها في مصر توافد عليها العلماء والفقهاء وكان من أبرزهم الإمام الشافعي الذي كان يطلب منها الدعاء وكان يصلي بها التراويح.
حتى اليوم، يظل ضريحها مقصدًا للمصلين الذين يتوافدون طلبًا للبركة ما يعكس مكانتها الدينية الفريدة.

مسجد السيدة نفيسة.. بين التاريخ والمستقبل
على مدار العصور ظل مسجد السيدة نفيسة شاهدًا على تطور العمارة الإسلامية في مصر ومقصدًا للزوار من داخل البلاد وخارجها.
ومع التجديدات الحديثة أصبح المسجد أكثر استعدادًا لاستقبال الأجيال الجديدة من المصلين والباحثين عن الروحانية ليبقى شاهدًا على التزام الدولة بالحفاظ على التراث الإسلامي العريق، وتعزيز السياحة الدينية بما يعكس مكانة مصر كقبلة للزائرين الباحثين عن الأصالة والتاريخ.