حشمت عبد الحارث يكتب: هل فقدت الدراما المصرية بوصلتها؟

لطالما كانت الدراما المصرية مرآة للمجتمع، تعكس قضاياه، وتطرح حلولًا، وتقدم محتوى يجمع بين المتعة والفكر، من أعمال خالدة مثل “ليالي الحلمية” و “رأفت الهجان” و “أرابيسك”، التي جسدت التاريخ والهوية، عكس دراما اليوم التي باتت تتنافس على الإثارة والجدل أكثر من تقديم قيمة فنية حقيقية..
اتذكر جيدًا، في إحدى ليالي رمضان قبل سنوات طويلة، كانت العائلة تجتمع حول التلفاز قبل الإفطار، بانتظار دقات الساعة السابعة .. كان الجميع يعرف أن لحظة بدء المسلسل هي طقس مقدّس، حيث تمتزج رائحة الطعام بصوت شارة البداية، وتبدأ حكاية جديدة تأسر القلوب .. كانت الدراما آنذاك تعلّم، تُلهم، وتحفر مشاهدها في الذاكرة، حتى إن الشخصيات أصبحت جزءًا من البيوت، تُناقَش مواقفها وكأنها أناسٌ من لحم ودم.
أما اليوم، فقد تغيّرت الملامح، اختفت الحكايات العميقة، وحلّ محلها الصخب، وصارت المشاهد تتنافس في العنف والجدل أكثر من تنافسها على الإبداع؛ فلم يعد المشاهد يبحث عن قصة تلمس وجدانه، بل وجد نفسه أمام أعمال تُفرض عليه، كأن الدراما فقدت بوصلتها، وتاهت بين السطحية والإثارة ..
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل فقدت الدراما المصرية بوصلتها؟ أم أصبح معيار النجاح قائمًا على الإثارة لا الجودة؟
_عزيزي القارئ_ شهدنا جميعًا في السنوات الأخيرة تغييرًا جذريًا في طبيعة الأعمال الدرامية المصرية، خاصة “الأعمال الرمضانية” فبدلًا من التركيز على قضايا اجتماعية ودينية عميقة تعكس الواقع بحرفية وذكاء، أصبحت معظم المسلسلات تدور في فُلك العصابات، والعنف، والمخدرات، والمشاهد الصادمة..
ومن هنا بدأ التحول من الدراما الهادفة إلى المحتوى المثير للجدل .. فلم يعد المشاهد المصري يبحث عن حكاية تشده بعناصرها الدرامية الراقية، بل أصبح يواجه أعمالًا درامية تفرض عليه مليئًا بالشتائم، والعنف، والإيحاءات الجريئة، بحجة “الواقعية” .. لكن، هل هذه هي الصورة الحقيقية لمجتمعنا؟ أم أن الدراما صنعت واقعًا أكثر انحطاط مما هو عليه بالفعل؟
وأعتقد ان من أكثر الانتقادات التي تواجهها الدراما المصرية اليوم هي التكرار الواضح في القصص، حيث أصبحت هناك قوالب ثابتة يتم إعادة تدويرها كل عام، ممثلة في “البطل الشعبي” الذي يواجه الأعداء بقبضته الحديدية، كما رأيناه في عشرات الأعمال .. وأيضًا “الحياة داخل الأحياء العشوائية” التي تُصوَّر وكأنها أماكن تعج بالعنف والمخدرات فقط .. ناهيك عن “قصص الانتقام والخيانة” التي تتشابه حبكاتها حتى لا يستطيع المشاهد التفرقة بينها.
_وفي ظل هذا التكرار، لم يعد هناك مجال لتقديم قصص جديدة أو شخصيات مركبة تحمل أبعادًا إنسانية حقيقية، كما كان الحال في الماضي .. وهنا يُحمّل البعض المسؤولية كاملة على الجهات الرقابية التي تسمح بعرض هذه الأعمال دون ضوابط واضحة، بينما يرى آخرون أن الجمهور نفسه يتحمل جزءًا من المسؤولية، لأنه يستمر في متابعة هذه المسلسلات، مما يدفع المنتجين إلى تقديم المزيد منها..
وفي الحقيقة لا يمكن إنكار أن هناك محاولات جادة لإعادة الدراما المصرية إلى مسارها الصحيح، فهناك بعض الأعمال التي لا تزال تحتفظ بجودة الكتابة والإخراج والتمثيل، لكنها تبقى قليلة مقارنة بالأعمال التي تعتمد على الإثارة السطحية..
وحتى تستعيد الدراما المصرية بريقها، يجب أن يكون هناك “تنوع في الموضوعات” لتقديم قصص جديدة تتناول قضايا واقعية بطرح ذكي وليس مجرد استعراض للعنف..
ثانيا “تشجيع الكتابة الإبداعية” وإعطاء فرصة للكُتاب الشباب والمخرجين الجدد لتقديم رؤى مختلفة بعيدًا عن التكرار..
ثالثا “الرقابة الواعية” وليس من خلال المنع، بل من خلال تشجيع المحتوى الجيد ورفض الاستسهال في الطرح الدرامي..
أخيرًا والأهم يا _عزيزي_ “وعي الجمهور” فالمشاهد هو القوة الحقيقية، فإذا طالب بمحتوى راقٍ، سيتغير شكل الدراما تلقائيًا، رغم أنف القائمين عليها .. فهل نشهد قريبًا عودة العصر الذهبي للدراما المصرية؟ أم سيظل السؤال معلقًا حتى تجد الدراما بوصلة جديدة تهديها إلى طريق الإبداع؟



