أحمد فؤاد يكتب: تأملات في كتاب الله

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتختلط فيه المفاهيم، يظلّ كتاب الله نبراسًا يُضيء دروب الحائرين، ويضع لكل إنسان خارطة طريق لحياته ومآله. ومن أعظم ما يرسخه القرآن الكريم في نفوسنا: أن للإنسان حرية الاختيار، لكنه مسؤول عن العواقب. آية واحدة قد تهز القلب وتوقظ العقل:
بسم الله الرحمن الرحيم “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا” صدق الله العظيم [فصلت: 46].
الآية تلخص فلسفة الحياة: من يعمل خيرًا، فإنما يعود خيره عليه، في دنياه قبل آخرته، راحة في القلب، وبركة في الرزق، وسكينة في النفس. أما من يتبع طريق السوء، فإنما يحفر حفرته بيده، يتذوق مرارة اختياره، ويعيش في ظلام صنعه بنفسه.
السعادة ليست لغزًا فكثير من الناس يبحث عن السعادة خارج أنفسهم، في المال أو الشهرة أو العلاقات، وينسون أن السعادة الحقيقية تبدأ من الداخل، من نقاء السريرة وصفاء القلب، من عمل الخير، والصدق، والإحسان. السعادة ليست حظًا عشوائيًا، بل ثمرة تُجنى من غرس الطاعات والأعمال الصالحة.
فالجزاء من جنس العمل نجد أن القرآن لا يُلغي البلاء، لكنه يُرشدنا إلى فهمه. فالمؤمن يعلم أن ما يصيبه من ألم قد يكون تطهيرًا أو تذكيرًا، بينما من ينغمس في المعاصي دون توبة، يتجرع آثارها النفسية والاجتماعية والروحية. “ثم مرجعه إلى مولاه”، عبارة تُعيد الأمور إلى نصابها؛ فالمآل لله، والعدل عنده لا يُغفل صغيرة ولا كبيرة.
فهذه الآية دعوة مفتوحة لكل إنسان أن يتأمل في حاله، ويعيد النظر في مساره. لا أحد يستطيع إصلاح العالم كله، لكن كل إنسان يستطيع إصلاح نفسه. فالخير يبدأ من الداخل، من قرار صغير بالرجوع إلى الله، والبدء بخطوة نحو النور.
وفي الختام بين يدينا كنز من الحكمة، وكلمات قادرة على تغيير الحياة. فلنعد إلى كتاب الله، لا كقراء عابرين، بل كتلاميذ متدبرين. فالسعادة والنجاة ليستا وعدًا فارغًا، بل حقيقة لمن جعل القرآن رفيق دربه.



