
في خطوة جديدة تُجسّد ملامح توجهاتها في إدارة البلاد، أقدمت حركة طالبان على حظر لعبة الشطرنج في أفغانستان، بدعوى أنها “مضيعة للوقت، ومحظورة شرعًا”.
القرار الصادر عن وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يكن مجرد فتوى دينية، بل إشارة إلى استراتيجية فكرية أشمل تسعى طالبان من خلالها إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها العقائدية الخاصة.
التحريم في سياق أيديولوجي
فيما تبدو دوافع القرار دينية في الظاهر، فإن السياق السياسي والاجتماعي المحيط به يعكس توجّهًا أيديولوجيًا متكاملاً.
فحظر الشطرنج، الذي يتطلب تفكيرًا تحليليًا ومهارات ذهنية، ينسجم مع نمط حكم يُفضل الامتثال والطاعة على النقد والمبادرة الفردية، حسب مراقبين.
وليس هذا القرار سوى حلقة جديدة ضمن سلسلة من السياسات الثقافية والاجتماعية التي تنتهجها الحركة منذ عودتها إلى الحكم في كابول عام 2021، والتي تشمل منع الموسيقى، وتقييد تعليم النساء، وفرض أنماط لباس وسلوك موحدة.

جذور ديوبندية لطالبان
ويرى مصطفى زهران، الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية والصوفية، أنه لفهم القرار في عمقه الفكري، يمكن العودة إلى الجذور العقائدية لطالبان، التي تنبع أساسًا من المدرسة “الديوبندية”.
وتابع، في تصريحات خاصة لموقع “اليوم”، أن هذه المدرسة التي نشأت في شبه القارة الهندية أواخر القرن التاسع عشر، كانت تسعى إلى مواجهة التأثير الثقافي للاستعمار البريطاني من خلال العودة إلى الإسلام التقليدي، مركّزة على التعليم الديني والانضباط السلوكي، مع رفض واسع للثقافة الغربية وأشكال “اللهو”، بما في ذلك الموسيقى، والفن، وحتى الألعاب الذهنية مثل الشطرنج.
وأشار زهران، في تحليله للفكر الديوبندي، إلى أن هذه المدرسة تجمع بين صوفية سلوكية محافظة وبين صرامة تنظيمية تركز على الطاعة وتجنب الفتنة الفكرية.
وهذا ما يفسر – ضمنًا – موقف طالبان من النشاطات التي تنمّي التفكير الحر، والتي قد تُعدّ تهديدًا لبنيتها التربوية والسياسية، وفق قوله.
ثقافة الطاعة مقابل التفكير
وثمة تقارير وأورواق بحثية، توضح أن حظر الشطرنج في أفغانستان يحمل دلالات رمزية عميقة؛ فهي ليست مجرد لعبة، بل نشاط عقلي يُنمّي التفكير الاستراتيجي والقدرة على اتخاذ القرار.
هذه التقارير والأوراق ترى أن اللعبة تحمل مهارات لا تندرج ضمن النموذج المثالي للفرد كما تتصوره طالبان، حيث تُغلّب قيم الطاعة والانضباط الجماعي على التفكير النقدي والتحليل المنطقي.
فاللعبة التي تتطلب مناورة وذكاء في اختيار الحركات، قد تُعدّ في السياق الطالباني بوابة لثقافة الفردانية والمنافسة، وهما مفهومان لا ينسجمان مع الرؤية الشمولية للحركة، التي تسعى إلى ضبط المجتمع في قوالب فكرية وسلوكية صارمة.
ليس قرارًا معزولًا
يأتي قرار حظر الشطرنج في سياق متصل بسياسات متسقة تهدف إلى إعادة تشكيل المجال العام وفق ما تعتبره طالبان “النقاء الإسلامي”.
وقد سبق للحركة أن حظرت الموسيقى والغناء، وقيّدت حركة النساء، وأغلقت صالونات الحلاقة، في نمط من التقييد الشامل لكل ما لا يخدم رؤيتها الدينية والسياسية.
هذه الإجراءات لا تعبّر فقط عن فتاوى دينية، بل عن مشروع سياسي يريد التحكم في الفضاء الثقافي والاجتماعي بشكل كامل، ومنع أي نمط من التعبير الذاتي أو الاستقلال الفكري.
رقعة بلا ملك ولا ملكة
على رقعة أفغانستان التي تتداخل فيها الجغرافيا بالفكر، يبدو أن الشطرنج لم يكن سوى قطعة أخرى تم التضحية بها في معركة أيديولوجية مستمرة.
فبينما تنشغل الحركة بتقويض ما تعتبره مظاهر “الغزو الثقافي”، يتنامى جيل شاب يتصل بالعالم عبر الإنترنت، ويتطلع إلى التعبير والتفكير والانفتاح.




