“جنة الأرض” من المهراجا إلى مودي.. كيف صودرت كشمير من أهلها؟
بين باكستان والهند.. قصة سبعة عقود من النزيف في كشمير

تُعد كشمير من أكثر المناطق اضطرابًا في العالم، حيث تحوّلت من جنة طبيعية على الأرض إلى ساحة نزاع دائم بين الهند وباكستان منذ منتصف القرن العشرين، حيث تتشابك الجغرافيا بالدين والسياسة والتاريخ الاستعماري في عقدة لم تُحل منذ أكثر من سبعة عقود.
وقال الباحث في شؤون الأقليات المسلمة محمد سرحان، في تصريحات خاصة لموقع “اليوم”، إن الصراع في كشمير لا يزال واحدًا من أطول النزاعات الجيوسياسية في العالم، وأكثرها تجاهلًا من قبل المجتمع الدولي.
“وثيقة مشكوك فيها”..
وأوضح سرحان أن جذور النزاع تعود إلى لحظة تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947، حين اختار المهراجا الهندوسي “هاري سينغ” ضم كشمير إلى الهند، رغم أن السكان كانوا في غالبيتهم من المسلمين.
وأضاف: “هذه الخطوة تمّت رغم اعتراضات شعبية واسعة، وهناك طعن قانوني وتاريخي في توقيت توقيع وثيقة الانضمام، حيث يرجح المؤرخ البريطاني ألاستر لامب أن الوثيقة وُقّعت بعد دخول الجيش الهندي إلى كشمير، ما يضع مشروعيتها محل شك كبير”.

ثورات وحروب.. ولا استفتاء
يشير سرحان إلى أن أول مواجهة مسلحة اندلعت فورًا، حين قاد مسلمو منطقة “البونش” ثورة مسلحة، بدعم غير مباشر من باكستان، لكنها انهارت مع وصول القوات الهندية.
وفي عام 1949، رعت الأمم المتحدة اتفاق وقف إطلاق النار الذي قسم الإقليم إلى قسمين: “آزاد كشمير” الخاضعة لباكستان، و”جامو وكشمير” الخاضعة للهند.
ورغم تعهد الهند بتنظيم استفتاء شعبي لتقرير المصير، يؤكد سرحان أن “نيودلهي تنصلت من هذا الالتزام خوفًا من خسارة الإقليم لصالح باكستان، وهو ما كشفته رسائل موثقة بين قادة الهند في ذلك الوقت”.
مجازر وتطهير عرقي
وفقًا لتصريحات الباحث، فقد ارتكبت القوات الهندية “مجازر دموية بحق المسلمين” في الأيام الأولى للاجتياح، مشيرًا إلى تقديرات من حكومة آزاد كشمير تؤكد مقتل نحو 250 ألف مسلم وتهجير نصف مليون آخرين إلى باكستان، حيث قال:”لقد بدأت المأساة منذ اللحظة الأولى، على يد الجيش النظامي ومليشيات هندوسية وسيخية”.
الأمن المائي يفاقم الصراع
يرى سرحان أن الصراع لا يدور فقط حول الأرض، بل أيضًا حول الأمن المائي، إذ تضم كشمير منابع أنهار حيوية مثل “جهيلوم” و”شيناب” و”الإندوس”، وهي شرايين حياة بالنسبة لباكستان.
وقد أجج هذا العامل من حدة النزاع، وتسبب في اندلاع حربين جديدتين عامي 1965 و1971.
إلغاء الحكم الذاتي 2019
قال سرحان إن “أخطر ما واجهه المسلمون في كشمير جاء عام 2019، عندما ألغت حكومة مودي المادة 370 من الدستور، التي كانت تمنح الإقليم حكمًا شبه ذاتي”.
وأضاف: “القرار اتُخذ ضمن أجندة طائفية واضحة من الحزب القومي الهندوسي (بهاراتيا جاناتا)، ومهّد لسياسات ممنهجة تهدف إلى تغيير ديموغرافي بالقوة”.
وأشار إلى أن السلطات الهندية فرضت بعد القرار حظرًا للتجول وقطعًا للاتصالات والإنترنت وشنّت حملات اعتقال موسعة طالت حتى القادة السياسيين المحليين.
“هنْدنة” كشمير وتهديد الهوية
حذّر سرحان من أن ما يجري اليوم في كشمير “أخطر من الاحتلال العسكري، لأنه مشروع هادف إلى إلغاء الهوية الإسلامية للسكان الأصليين”.
وقال إن الهند “منحت الجنسية أو الإقامة لما يزيد عن 1.7 مليون هندي غير كشميري، وشرعت في تغيير قوانين الأراضي والإدارة المحلية، في محاولة لإحداث خلل سكاني يحوّل الأغلبية المسلمة إلى أقلية في أرضها”.
تواطؤ دولي
انتقد سرحان المواقف الدولية حيال أزمة كشمير، واصفًا إياها بـ”الخجولة أو المتواطئة”، وقال: “رغم التوثيق الحقوقي لآلاف الانتهاكات، فإن الأمم المتحدة لم تتجاوز حدود إصدار التقارير، والدول الكبرى تفضّل مصالحها الاقتصادية مع الهند على حساب المبادئ”.
كما انتقد غياب الفعل من الدول الإسلامية: “العالم الإسلامي يتحدث كثيرًا ويصمت أكثر، وهو ما شجّع الهند على المضي قدمًا في مشروعها الاستعماري دون خوف من المساءلة”.
وختم سرحان تصريحاته لـ”اليوم” بالتأكيد على أن كشمير “ليست مجرد أرض متنازع عليها، بل قضية هوية وكرامة وحق تقرير مصير”.
وأضاف: “دون ضغط عربي وإسلامي ودولي حقيقي، فإن المسلمين في كشمير سيواجهون خطر الإبادة البطيئة والتذويب الثقافي”.
وزاد بالقول: “كشمير جرح مفتوح منذ أكثر من سبعة عقود، لكن تجاهله لن يجعله يندمل، بل سيحوّله إلى نزيف دائم في ضمير الإنسانية”.



