تقارير-و-تحقيقات

صكوك الأضحية بين التيسير والتشكيك: فتوى تحسم الجدل

كتب: مصطفى على

في كل عام، ومع اقتراب عيد الأضحى، يطفو على السطح نقاش متجدد حول حكم “صكوك الأضحية” وما إذا كانت تؤدي الغرض الديني الكامل مثل الذبح المباشر وتزداد التساؤلات حول مدى مشروعية هذا النوع من التوكيل، وحجم الثواب الذي يناله المسلم إذا اختار أن يضحي من خلال جمعية أو مؤسسة خيرية بدلاً من القيام بالذبح بنفسه.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الأضحية في أصلها سنة مؤكدة، لكنها تتحول إلى فرض في حالة واحدة، وهي إذا نذرها المسلم سواء لعام واحد أو بشكل دوري في كل عام وفي هذه الحالة، كما يشير، يُحرم على صاحب النذر أن يأكل منها لأنها أصبحت “نذرًا لله”، بينما تبقى سنةً لعموم المسلمين، أي أنها ليست إلزامية ولكن من الأفضل القيام بها لمن استطاع.

الذبح بيد المسلم: عبادة وفرصة لتعليم الجيل الجديد

الدكتور جمعة شدد في حديثه على أهمية الذبح باليد، ليس فقط من باب الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما لما تحمله هذه الشعيرة من معانٍ تربوية واجتماعية وروحية. إذ قال: “من كان قادرًا على أن يذبح أضحيته بيده فليفعل، لما في ذلك من إدخال السرور على الأطفال، وتعليمهم معنى وقيمة الأضحية، بأنها طاعة لله تعالى، وفيها منفعة للفقراء”.

إن هذه النظرة تبرز بعدًا إنسانيًا وروحيًا يعلو على المظهر الخارجي للعبادة، وتجعل من عيد الأضحى مناسبة تربوية يتعلم فيها الصغار دروسًا في الإيمان، الرحمة، والتكافل الاجتماعي، مما يُضفي على الشعيرة بعدًا يتجاوز الذبح المادي.

صكوك الأضحية: هل هي بديل مشروع؟

لكن ماذا عن أولئك الذين لا يستطيعون الذبح لأسباب تتعلق بالمكان أو المهارة أو الوضع الصحي؟ هنا تأتي صكوك الأضحية كخيار متاح الدكتور جمعة أوضح أن هذه الصكوك تمثل حلاً شرعيًا وإنسانيًا لمن لا يستطيع أداء الذبح بنفسه، مؤكداً أن الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تتولى هذا الأمر تعمل تحت رقابة صارمة من جهاز المحاسبات ووزارة التضامن الاجتماعي، ولا مجال للتشكيك في مصداقيتها.

وقال: “صكوك الأضحية ضرورة للذين يفتقدون لمكان مناسب للذبح أو لا يستطيعون القيام به بأنفسهم ومن غير المقبول التشكيك فيها، لأنها تقوم بتيسير أداء الشعيرة دون الإخلال بروحها أو مقاصدها”.

وأكد الدكتور جمعة أن التشكيك في هذه الصكوك لا يستند إلى أساس علمي أو شرعي، بل يعكس موقفًا مناهضًا للتيسير في الدين، ويتنافى مع مقاصده الكبرى التي تراعي ظروف الناس وأحوالهم المتغيرة.

التلويث لا يُرضي الله: التحذير من السلوكيات الخاطئة

في سياق متصل، شدد الدكتور جمعة على ضرورة احترام النظام العام والنظافة أثناء ممارسة شعيرة الذبح، محذرًا من تلويث الشوارع والميادين بمخلفات الذبائح، ومؤكدًا أن “التقرب إلى الله لا يكون بفعل ما نهى الله عنه”.

وأوضح أن السلوكيات السلبية التي تصاحب أحيانًا عمليات الذبح، مثل رمي الدماء والمخلفات في الطرقات، تسيء إلى صورة الشعيرة وتتنافى مع قيم الإسلام في النظافة واحترام المجتمع. وبهذا، فإن الذبح لا يكون مقبولًا في جوهره إذا اقترن بما يضر الناس أو يخالف النظام العام.

أسباب تفاوت أسعار الصكوك: بين الاستيراد والتربية المحلية

ومن القضايا التي تثير جدلًا متكررًا أيضًا مسألة تفاوت أسعار صكوك الأضحية، حيث تختلف من جمعية إلى أخرى، ومن جهة إلى أخرى وقد أرجع الدكتور جمعة هذا التفاوت إلى عدة أسباب عملية، أبرزها أن بعض الجمعيات تعتمد على استيراد الأضاحي من دول مثل الأرجنتين، حيث تكون الأسعار أقل، في حين أن جمعيات أخرى تقوم بتربية الأضاحي في مزارع خاصة، مما يزيد التكلفة.

وأضاف أن هذا التفاوت لا علاقة له بجودة الخدمة أو بنوايا الجمعيات، بل هو نتيجة لآليات توفير الأضاحي ومصادرها، مشيرًا إلى أن “كل جمعية تعمل حسب ما يتاح لها من موارد وخطط، وهو أمر طبيعي في السوق”.

وبالتالي فإن الفروق السعرية لا تنم عن غش أو خداع، وإنما تعكس تباينًا في أساليب العمل، مما يتيح للمواطنين اختيار ما يناسب ظروفهم المالية.

رسالة للمتشككين: لا تخلطوا بين الضرورة والإهمال

وفي رده على من يشككون في مبدأ صكوك الأضحية من الأساس، وجه الدكتور جمعة رسالة حازمة قال فيها إن هناك من يبني دورًا لرعاية المسنين أو الأيتام، ولكن هذا لا يعني التخلي عن المسؤولية الأسرية، بل هي ضرورة اجتماعية لرعاية من انقطعت بهم السبل.

وهو ما ينطبق حسب تعبيره على صكوك الأضحية أيضًا، فهي لا تعني التخلي عن الذبح باليد أو عن الشعيرة ذاتها، وإنما هي ضرورة لمن لا يستطيع تنفيذها بالشكل التقليدي وتابع قائلاً: “كما أن دور الأيتام والمسنين ضرورية لمعالجة واقع اجتماعي مؤلم، فإن صكوك الأضحية ضرورة لمعالجة واقع ديني عملي، لا يمكن تجاهله”.

تحقيق التوازن بين الأصالة والواقعية

يتضح من مجمل تصريحات الدكتور علي جمعة أن النقاش حول صكوك الأضحية لا ينبغي أن يُختصر في سؤال عن الثواب أو الأفضلية، بل يتطلب فهماً أعمق لتطور الحياة وظروف الناس. فالدين، بحسب رؤيته، جاء ليسر لا لعسر، والشريعة لا تهدف إلى تعقيد حياة الناس، بل إلى تأمين أدائهم للعبادات في إطار ممكن، واقعي، وأخلاقي.

ولذلك فإن الخيار بين الذبح المباشر وصك الأضحية ليس مفاضلة بين فعل كامل وآخر ناقص، وإنما هو تعبير عن التكيف مع الظروف وتوسيع نطاق الخير، خاصة إذا كان الفقير في النهاية هو المستفيد الحقيقي من الأضحية.

بين التشكيك والتيسير، تبقى صكوك الأضحية خيارًا مشروعًا يراعي ظروف العصر ويحفظ مقاصد الشريعة ومع الإشراف الحكومي والرقابة المؤسسية، لم تعد هذه الصكوك محل ريبة، بل صارت وسيلة لضمان أداء الشعيرة لمن تعذّر عليه تنفيذها بنفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى