
تقرير: مروة محي الدين
منذ عادت المقاومة الفلسطينية في غزة لاستئناف عملياتها ضد الاحتلال توثق كمائن موجعة للعدو، مظهرة حالة نادرة من الصمود والإقدام تدوم لما يزيد عن 20 شهرًا، وكأن البدائل الأخرى غير مطروحة، وكان آخر تلك العمليات أمس- الجمعة في خانيونس، بعد تقاسم كتائب القسام مع سرايا القدس الهجمات على قوات العدو.
“إذ تحاول المقاومة إثبات وجودها من خلال بعض العمليات المحدودة، ذات التأثير المحدود مقارنة بوضعها في بداية المعركة، وذلك بعد أن فقدت الكثير من قوتها وقدرتها، مقارنة بالعدو المزود بأعتى الإمكانات العسكرية غير المحدودة، فتكون معاركها لإثبات الوجود والقدرة على الفعل في مواجهته”- حسب وصف اللواء أ.ح “محمد رشاد”- الوكيل الأسبق لجهاز المخابرات العامة ورئيس ملف الشئون العسكرية الإسرائيلية منذ نكسة 1967 وحتى كامب ديفيد- للمعارك في حديث خاص لموقع اليوم.
خانيونس

في منطقة الزنة شرق المدينة، ترصدت مجموعة من مقاومي كتائب القسام لعدد من إليات العدو وجنوده، على خط الإمداد، قبل أن يباغتوهم بهجوم مركب من المسافة صفر، أدى لفرار أليات العدو بمن تحمل، ليواصل المقاومون مطاردة دبابة وناقلة جند، مكملين الاشتباك مع جنودهما.
وقد صرح أحد قيادي كتائب القسام لشبكة الجزيرة الإخبارية، بأن العملية وقعت الأسبوع الماضي، ومنفذيها كانوا أنفسهم منفذي كمين “الأبرار” في 27 رمضان الماضي، وأن موقع العملية كان قرب حدود القطاع.
أما شمال المدينة وبالتحديد في محيط شارع 5، فقد كان على موعد مع عبوة برميلية شديدة الانفجار، زرعتها سرايا القدس لآليات جيش الاحتلال مسبقًا، ما أدى لتدمير أحدها.
هنا علق اللواء “رشاد” على العمليتين: “بأنهما يمثلان صورة عمليات المقاومة الحالية بالمحدودية والسرعة، ثم تنويع الأماكن، فلا تظهر مجموعات المقاومين وتركز عملياتها في مكان واحد، كي لا تدفع العدو للتركيز على منطقة بعينها فتكون بعيدة كل البعد عن ملاحظة العدو، الذي يبذل قصارى جهده للنيل من جميع حركات المقاومة لاسيما حركة المقاومة الإسلامية حماس”.
حماس لم تهزم

في إحدى تقارير صحيفة جلوبس العبرية أمس، نفت هزيمة حماس التي طالما تحدث عنها المستوى السياسي لديهم، وأكد استمرار قدرتها على تهديدهم، وكذلك قدرتها على إعادة ترميم نفسها، لاسيما في ظل التقارير العبرية التي أقرت منذ نحو شهرين: أن نسبة 75% من أنفاق المقاومة مازالت سليمة، وما أصابه الضرر منها قابل للإصلاح.
وتلك كانت حالة الصمود الأسطوري، التي قال عنها اللواء “رشاد”: “كتائب المقاومة تقاوم منذ عامين، وهو ما يمثل حالة أسطورية من الصمود، مقاتلين يعيشون حياة كاملة لقرابة العامين في الإنفاق، فيأكلون ويشربون وينامون تحت الأرض، ويحاربون العدو وسط الحصار، وتستمر مع عملياتهم العسكرية عملية التنظيم والإدارة بشكل فعال ودقيق، كل ذلك صمود لا تجده عند كل البشر”.
وفصلت الصحيفة العبرية طرق إعادة الترميم، فقالت: إن ذلك يتم عبر إعادة تدوير المفجرات الإسرائيلية التي لم تنفجر، في مصانع تنتشر في جميع أنحاء القطاع، قبل أن تنتقل حماس إلى حرب استنزاف بدلا من الحرب المنتظمة، فتنشر العبوات الناسفة داخل المباني وعلى طول طرق تقدم الجيش، وهو ما يبتعد بالاحتلال عن تحقيق النصر الحاسم، الذي طالما تشدقت به قيادته.
وأكد الخبير العسكري ذلك التحليل وأثره على جيش الاحتلال، قائلًا: “أكثر ما يرهق أي جيش نظامي ويفقده توازنه هو عمليات فصائل المقاومة، حيث يظهر المقاومون من أماكن غير معروفة له، ليشتبكوا معه من مسافة صفر، فتكون عمليات موجعة وصعبة، وقد استطاعت المقاومة فعل ذلك بإمكانيات ضعيفة جدا، حيث يعدون تصنيع الأسلحة الإسرائيلية التي لم تنفجر، في ورش تحت الأرض، لتحولها إلى قذائف أخرى- في الأغلب تكون قذائف هاون لأنها الأكثر استخداما- وتضربها العدو العدو”.
استمرار المقاومة

طالب رئيس وزراء الاحتلال “بنيامين نتنياهو” المقاومة بالاستسلام وتسليم السلاح عدة مرات، وكأنه حسم المعركة، وحقق أهدافه من الحرب كاملة، لترد عليه المقاومة بتلك العمليات، الموجعة له على محدوديتها.
وفي رؤية اللواء “رشاد” لما عرضه رئيس وزراء الاحتلال: “الاستشهاد أفضل للمقاتل من الاستسلام، لأن الأخير يعني انتهاء حياته، لذا يحسم المقاوم أمره منذ اللحظة الأولى أن الاستشهاد أثناء المقاومة خياره الأوحد، حيث وهب حياته وإمكاناته وكل ما يملك من أجل معركته، فيكون مطالبته بالاستسلام طلب غريب، وقد استطاعت المقاومة بالفعل حرمان نتنياهو من تحقيق أي هدف من أهدافه للحرب، على الرغم من تعداد جيشه وعتاده”.
ومع تزايد خسائر المقاومة في القطاع، كان الحديث عن المستقبل المجهول للمقاومة، لاسيما بعدما منيت به من خسائر في العتاد والرجال، وهو ما قال عنه الخبير العسكري: “المقاومة الفلسطينية ولادة، والجيل الصاعد فيها غاشم مرارة الحصار والحرب، ومن هنا ستكون أشد شراسة من الجيل السابق، والشباب الفلسطيني ليس لديه خيار سوى المقاومة، والدفاع عن أرضهم، بأي شكل وأي إمكانيات، وهو الموقف الذي لا تقدره إسرائيل وقيادتها”.
وأكد في تصريحاته “لليوم”: “أن المقاومة الفلسطينية باستمرار تشكل عامل ضغط مهم على الاحتلال، وفي ظل وجود الحرب بين الاحتلال وإيران، تكون تلك فرصة العمر لها، أن يعمل في ظل وجود عنصر آخر يدمر خصمه، ويستغل الإنهاك الذي بلغه خصمه، بأن يمنيه بأعلى الخسائر”
وفي نهاية الحديث عن حراك المقاومة، الذي يبقى على صموده مهما تحالفت ضده الظروف، قد لا ند خاتمة له سوى كلمات اللواء “رشاد” حين قال: “يبقى وضع المقاومة الغزاوية وحراكها مفتوحًا، فلن تتنازل عن انسحاب العدو وفتح المعابر وفك الحصار، مهما كلّف ذلك من ثمن”.



