الزكاة بين النصاب والتكافل.. متى تجب؟ وما فلسفتها في الإسلام؟

تقرير:مصطفى على
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة المادية، وتزداد فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء، يظل فريضة الزكاة واحدة من أهم أدوات الإسلام لتحقيق التوازن الاجتماعي.
وفي ظل التساؤلات المتكررة من المواطنين عن أحكامها وتفاصيلها، جاء سؤال من أحد المواطنين بمحافظة الغربية إلى دار الإفتاء المصرية، يستفسر فيه عن مفهوم “بلوغ النصاب” ومتى تجب الزكاة على المال.
وفي رد علمي دقيق، أوضح الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء، المعايير الشرعية المحددة لفريضة الزكاة، مؤكدًا أن السؤال في جوهره يتعلق بحقوق الله وحقوق المحتاجين في أموال القادرين، وهو ما يوجب الفهم الدقيق والتنفيذ الواعي لهذه الشعيرة المالية الكبرى.
بلوغ النصاب: المعيار الذهبي لوجوب الزكاة
استهل الشيخ أحمد وسام إجابته بالتأكيد على أن الزكاة لا تجب على أي مال بمجرد امتلاكه، بل لا بد أن تتوافر فيه شروط محددة أولها: بلوغ النصاب، وهو حدّ مالي شرعي يمثل مقدارًا معينًا يعادل قيمة من الذهب.
وقال وسام:
“لا تجب الزكاة على المال إلا إذا بلغ النصاب، والنصاب هو مقدار مالي يعادل 85 جرامًا من الذهب عيار 21، فإذا امتلك الإنسان هذا المقدار أو أكثر، وكان المال فائضًا عن حاجاته الأساسية، حينها يبدأ حساب سنة هجرية كاملة قبل وجوب إخراج الزكاة”.
وهنا تتجلى دقة التشريع الإسلامي، الذي لا يفرض الزكاة إلا على من يملك ما يزيد عن حاجته الأساسية، وما يشير إلى قدرة مالية حقيقية، بحيث لا تضر الزكاة بصاحب المال، بل تكون تطهيرًا لماله وسندًا لمجتمعه.
كيف نحسب النصاب اليوم؟ وما علاقته بالذهب؟
أوضح الشيخ وسام أن نصاب الزكاة اليوم يعادل قيمة 85 جرامًا من الذهب من عيار 21، وهي القيمة المرتبطة بما حدده النبي محمد ﷺ عندما بيّن أن نصاب الزكاة هو “عشرون دينارًا ذهبيًا”.
وأضاف أن الدينار الذهبي كان يزن نحو 4.25 جرامًا، وبضرب هذا الرقم في 20، نصل إلى 85 جرامًا، وهو ما تستخدمه المؤسسات الدينية والمالية في العالم الإسلامي اليوم كمرجع ثابت لتقدير النصاب، متغيرًا فقط وفق أسعار الذهب اليومية في السوق.
وقال وسام:
“بمجرد امتلاك الشخص لمبلغ يعادل سعر 85 جرامًا من الذهب، يبدأ في احتساب عام هجري، فإن ظل المال أو زاد، وجب إخراج 2.5% منه، وهي النسبة الثابتة لزكاة المال”.
شرط الحول: عام هجري كامل قبل الوجوب
إلى جانب بلوغ النصاب، شدد وسام على أن الشرط الثاني لوجوب الزكاة هو مرور عام هجري كامل (حول قمري) على المال الذي بلغ النصاب، مع شرط أن يكون المال فائضًا عن الحاجات الأصلية مثل المأكل والمسكن والملبس والتعليم والعلاج.
وهو شرط يعكس عدالة الإسلام، فلا زكاة على من يجمع المال لشراء بيت أو علاج، بل الزكاة على الفائض الذي قد يتحول إلى كنز معطّل إذا لم يُستثمر أو يُسهم في خدمة المجتمع.
الزكاة… فلسفة مالية وبُعد اجتماعي
لم يكتف الشيخ أحمد وسام بالشرح الفقهي، بل تطرق إلى الفلسفة العميقة لفريضة الزكاة، مؤكدًا أنها أكثر من مجرد عبادة مالية أو التزام سنوي، بل هي وسيلة لبناء مجتمع متماسك ومتكافل، يعزز العلاقة بين الفرد ومجتمعه، وبين الأغنياء والفقراء.
وقال وسام:
“الإسلام لا ينظر إلى المال كهدف في ذاته، بل كأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، والزكاة هي إحدى الوسائل الشرعية لتحقيق توازن في توزيع الثروات، ومنع الاحتكار، وتدوير المال بين الأفراد”.
وأضاف أن فريضة الزكاة تحقق أكثر من بُعد:
روحيًا: فهي تطهّر المال وتزكّيه.
اجتماعيًا: تساعد الفقراء وتسد حاجاتهم.
اقتصاديًا: تمنع جمود المال وتعيد ضخه في السوق.
الزكاة في ظل الأزمات الاقتصادية: أهمية مضاعفة
في ظل ما يمر به العالم من أزمات اقتصادية وتقلبات مالية، تتضاعف أهمية الزكاة، باعتبارها أداة دعم ذاتي من داخل المجتمع، حيث لا ينتظر الفقير صدقة، بل يحصل على حقه الشرعي من مال الغني، وفق نظام منضبط وعادل.
وفي هذا السياق، أشار وسام إلى أن الالتزام بالزكاة في أوقاتها وبمقاديرها الشرعية لا يُعد تفضّلًا، بل هو واجب ديني وركن من أركان الإسلام الخمسة، لا يقل أهمية عن الصلاة أو الصوم، بل يتقاطع مع كل منهما في قيم الرحمة والتكافل والتزكية.
الزكاة ليست مجرد رقم… بل التزام أخلاقي
من خلال إجابة أمين الفتوى الشيخ أحمد وسام، يظهر أن فهم الزكاة يتجاوز الأرقام والمعايير الذهبية، ليصل إلى أعمق من ذلك بكثير، فهي أمانة مالية، وشهادة صدق، ومؤشر على انتماء الفرد إلى قيم الدين وروح الجماعة.
في عالم يتغير بسرعة، ويعاني من احتكار الثروات وتزايد الفقر، تبقى الزكاة إحدى الوسائل النادرة التي تضمن توازنًا طبيعيًا في المجتمع، بعيدًا عن الفوضى أو الإجبار، وبتوجيه من الشريعة التي جمعت بين الحكمة والتكافل.
فليست الزكاة إذًا ضريبة تُفرض، بل حق يؤديه المؤمن وهو يعلم أنه بذلك يعيد الروح إلى مجتمعه، ويطهّر قلبه وماله.
