حوادث

حكاية فتيات كفر السنابسة خرجن للعمل فعُدن في نعوش بحادث الطريق الإقليمي

كتب- صابر عاطف:

كعادتهم كل صباح، استيقظن قبل شروق الشمس ارتدين ملابس العمل البسيطة، وضعن زجاجات المياه في الحقائب، وخرجن في صمت ريفي معتاد نحو طريق رزق لا يحمل لهن أكثر من 120 جنيهًا في اليوم.

لكن فجر الجمعة الأخير لم يكن ككل صباح لم تعد البنات إلى بيوتهن، بل عادت نعوشًا بيضاء، مغطاة بالدموع والدعاء.

18 زهرة.. خرجن بعزّة ورجعن بصمت.. الضحايا، ومعظمهن فتيات تتراوح أعمارهن بين 14 و23 عامًا، خرجن من قرية كفر السنابسة التابعة لمركز منوف بمحافظة المنوفية للعمل في مزرعة عنب تقع على الطريق الإقليمي.

ملك فوزي، 18 عامًا، ارتدت عباءتها البسيطة وهمّت بالخروج، وعلى شفتيها بسمة خفيفة قالتها لأمها: “بعد الموسم ده، هكمل جهازي.. يمكن نفرح قريب.” لم تكن تعلم أن آخر ما ستلبسه هو كفن أبيض، لا فستان زفاف.

مشرف محمد، أصغر الضحايا سنًا، كانت تبلغ من العمر 14 عامًا فقط، كانت تحلم بأن تكون طبيبة، وتساعد والدتها المريضة. كانت تحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب، وتحمل معها كُتيب أدعية، تردده في صمت أثناء الطريق.

18 فتاة وشابًا استقلوا ميكروباصًا متهالكًا، في طريقهم للعمل بمزرعة عنب على الطريق الإقليمي قرب مركز أشمون. أجرهم اليومي لا يتجاوز 120 جنيهًا، لكنهم كانوا يعتبرونه رزقًا بالحلال يستحق التعب.

على الطريق، لم يمهلهم القدر. سائق نقل متهور تجاوز الحاجز الفاصل بين الاتجاهين، فاصطدم بالميكروباص وجرف أحلامهم معه.
الميكروباص انقلب وتناثرت الأجساد على الإسفلت، وامتلأ الصباح برائحة التراب والدم والدعاء المبتور.

أمهات يتسابقن بين المشرحة وغرفة الطوارئ، آباء ينهارون من هول المفاجأة، وشباب القرية يبكون على الأرصفة، لا يصدقون أن زميلات الطفولة رحلن دفعة واحدة.

سارة كوهية، 14 عامًا، كانت تحفظ أرقام تنسيق التمريض، وتنتظر نتيجة القبول. وجدوها غارقة في دمائها، وبجوارها حقيبتها الصغيرة التي لم تفارقها.

الجنازة كانت جماعية، سار فيها موكب طويل من النعوش البيضاء، خرج من قلب قرية واحدة، وكأن الأرض احتضنت بناتها دفعة واحدة.
خطيب ملك، الذي كان يجهز معها شقة الزوجية، حمل النعش بدلاً من أن يزفها. قال وهو يغالب دموعه:

في كفر السنابسة، لم تُرفع الزينة، بل رُفعت صور الفتيات على الجدران، لم تُكتب شهادات التخرج أو وثائق الزواج، بل شهادات وفاة موحدة، تحمل توقيتًا واحدًا ومكانًا واحدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى