قصة “هدير” ممرضة طلبت من والدتها الراحة وماتت في حادث الطريق الإقليمي

كتب- صابر عاطف:
استيقظت هدير عبد الباسط خليل قنديل في فجر الجمعة، ليس لأنها على موعد مع محاضرة في معهد التمريض، بل لأنها قررت أن تخرج إلى العمل بدلًا من والدتها المتعبة.
قالت لها وهي تُعد ملابسها البسيطة: “إنتِ ريّحي النهاردة يا أمي، أنا هساعد نفسي.. عارفة إن مصاريفي كتير.”، بحسب رواية والدتها.
هدير، صاحبة التسعة عشر عامًا، كانت طالبة طموحة في معهد التمريض. تعرف معنى المسؤولية جيدًا، وتحلم بأن تصبح ممرضة تساعد الناس وتفتخر بها قريتها وأهلها.
لكن الحلم لم يكتمل. خرجت هدير، مثل 17 فتاة أخرى من أبناء قرية كفر السنابسة بمحافظة المنوفية، للعمل في قطف العنب، بأجر يومي لا يتجاوز 130 جنيهًا.
وسيلة النقل؟ سيارة نصف نقل، باتت معتادة لنقل البنات إلى المزارع في غياب بدائل آدمية آمنة، وفي طريق العودة، وعلى الطريق الإقليمي، كانت الفتيات يضحكن ويتحدثن عن الغد، عن الدراسة، عن تجهيزات الزواج، عن أملٍ بسيط يُكافحن من أجله.
لكن في لحظة قاتلة، سائق شاحنة نقل (تريلا) متعاطٍ للمخدرات، تجاوز الحاجز الفاصل، واصطدم بالمركبة التي تقلهن لم يُكتب لهن العودة.
ماتت هدير. ومات معها حلم الشهادة، ووظيفة في مستشفى قروي، وبيت صغير كانت تحلم أن تملأه سكينة لأهلها.
صرخة أم.. وجنازة طالبة في مستشفى الباجور، وقفت الأم تصرخ: “قالتلي ريّحي يا أمي.. ريّحي!” لكن الراحة تحولت إلى حداد.
وفي جنازة مهيبة، سارت النعوش البيضاء، واحدة تلو الأخرى، كل نعش يحمل حكاية بنت، عمرها ما بدأش، وأمل ما اكتملش.
هدير لم تكن وحدها معها كانت سارة، مشرف، رويدا، ملك، ومروة، طالبات ومخطوبات وعاملات، خرجن بحثًا عن لقمة شريفة، فعُدن في أكفان.


