الغش صار حقًا مكتسبًا.. والتعليم ينهار أخلاقيًا قبل أن ينهار علميًا

تقرير: خلود سعودي

في مشهد يعبّر عن أزمة أخلاقية عميقة تعصف بمنظومة التعليم، لم تعد ظاهرة الغش مجرد سلوك فردي مرفوض، بل تحوّلت في نظر بعض الطلاب وأولياء الأمور إلى “حق مكتسب”، وسط تراجع حاد في القيم التربوية، وضعف الدور الحقيقي للمدرسة في تنشئة الأجيال.

ما بين طلاب يستنكرون منع الغش داخل اللجان، وأولياء أمور يطالبون بمحاسبة المراقبين لأنهم “شددوا على أولادهم”، تنكشف فجوة تربوية مخيفة، تتجاوز حدود المناهج والأسئلة، لتصل إلى انهيار أخلاقيات التعلم، لم يعد الطالب يتقبل فكرة الاجتهاد والاعتماد على النفس، بل بات يطالب بحرية الغش، ويستنكر التفتيش، ويتهم منعه من الغش بأنه قسوة لا تُحتمل.

وفي المقابل، يقف المعلم الحقيقي عاجزًا، بينما تغيب المدرسة عن دورها التربوي، ويُستبدل الانضباط بقاعات الدروس الخصوصية، حيث لا مكان للأخلاق ولا للقيم، ومع غياب الرقابة الفعلية داخل بعض المؤسسات، وتشجيع ضمني من بعض الأسر، تتكرّس أزمة خطيرة تنذر بجيل لا يؤمن بالاجتهاد، ولا يحترم القانون، ويعتقد أن الغش طريق مشروع للنجاح.

إنها أزمة تربية قبل أن تكون أزمة تعليم، تحتاج إلى مواجهة حاسمة، وإعادة ضبط بوصلة القيم في المجتمع، قبل أن يتفشى الانهيار الكامل.

حذر خبير تربوي بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، من الانهيار الأخلاقي الذي يشهده طلاب الشهادة الثانوية، مؤكدًا أن السبب الرئيسي في تفشي ظاهرة الغش يعود إلى غياب الطلاب عن الحضور المدرسي، واعتمادهم الكامل على الدروس الخصوصية، بعيدًا عن دور المدرسة التربوي والأخلاقي.

وقال الخبير، إن غياب الطالب عن المدرسة لا يحرمه فقط من التعلم الأكاديمي المنضبط، بل يفقده أيضًا التربية السلوكية والانضباط الأخلاقي، مشيرًا إلى أن المعلم داخل المدرسة لا يعلّم المنهج فقط، بل يرسخ في الطالب القيم، ويغرس فيه الانتماء واحترام القوانين.

وطالب الخبير وزير التربية والتعليم، إصدار قرار ملزم بحضور طلاب الثانوية العامة إلى المدارس بشكل يومي، على أن تُضاف درجات للحضور الفعلي، كوسيلة لتشجيع الانضباط وإعادة الاعتبار للمدرسة كمؤسسة تربوية متكاملة.

وشدد على أن الأسرة لها دور لا يقل أهمية، فبعض أولياء الأمور، باتوا يشجعون أبناءهم على الغش، ما يرسخ ثقافة الانفلات والالتفاف على القواعد منذ سن مبكرة، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على مستقبل جيل كامل.

واختتم الخبير، بدعوة المنابر الدينية ووسائل الإعلام إلى تحمل مسؤوليتها في معالجة هذا الانحدار السلوكي، من خلال التوعية الدينية والمجتمعية بخطورة الغش وأهمية التمسك بالقيم والأخلاق، معتبرًا أن القضية لم تعد تعليمية فقط، بل أزمة أخلاق تهدد نسيج المجتمع بأكمله.

أعربت طالبة بالصف الثالث الإعدادي، عن غضبها الشديد من صرامة المراقبة داخل لجان الامتحانات، مؤكدة أن الامتحانات جاءت في مستوى صعب، وأن المراقبين لم يُظهروا أي رحمة بالطلاب أو مراعاة لظروفهم، قائلة “فيها إيه يعني لما آخد إجابة سؤالين من صحابي؟ هو أنا هاخد الامتحان كله؟”، مشيرة إلى أن المراقبين منعوا تبادل الإجابات بشكل كامل، وفرضوا أجواء من التوتر والضغط داخل اللجنة.

وأضافت الطالبة: “ياريت المراقبين يحسوا بينا وبأهالينا اللي بيشتغلوا ليل نهار علشان يدفعوا ثمن الدروس الخصوصية، إحنا مش بنلعب، بس الأسئلة كانت محتاجة وقت ومساعدة، مش تشدد وقفل علينا”.

أبدت طالبة بالشهادة الثانوية العامة استياءها الشديد من تشدد المراقبين داخل لجان الامتحانات، مشيرة إلى أن الأجواء داخل بعض اللجان كانت خانقة ومليئة بالتوتر بسبب إجراءات التفتيش المشددة ومنع الغش بشكل حاسم، قائلة “المراقبين شددوا علينا بشكل مبالغ فيه، ومنعونا حتى من مجرد إننا نبص ورانا أو ناخد إجابة سؤال واحد من صديق، وكأننا بنرتكب جريمة مش بنمتحن”.

وأضافت: “كمان بيوترونا بطريقة التفتيش ومنع دخول الحمام أثناء اللجنة، ليه المعاملة القاسية دي؟ ليه مفيش أي رحمة أو تفهُّم لحالتنا النفسية؟ إحنا تحت ضغط كبير وبنحتاج حد يهدينا مش يضيق علينا”.

وطالبت الطالبة بمحاسبة المراقبين الذين يتعمدون التضييق على الطلاب، قائلة إن هذه التصرفات تؤثر على سلامهم النفسي وتزيد من توترهم، بدلًا من دعمهم خلال أهم مرحلة تعليمية في حياتهم.

وتكشف هذه التصريحات عن أزمة أخلاقية وتربوية تتطلب وقفة من المؤسسات التعليمية والأسر، لمعالجة مفهوم النجاح والامتحانات بشكل أعمق.

عبّر أحد أولياء أمور طلاب الثانوية العامة عن غضبه الشديد من مستوى صعوبة الامتحانات الأخيرة، مؤكدًا أن الأسئلة لا تراعي الطالب المتوسط، وتفتقر لأي توازن بين الجهد المبذول طوال العام والمحتوى الفعلي داخل ورقة الامتحان.

وقال ولي الأمر، أن”الأسئلة صعبة جدًا ومليانة نقاط خارج المنهج، ومفيش أي مراعاة لتعب ولادنا ولا لمستواهم، كأن الغرض مش التقييم بل العقاب”، مضيفًا: “إحنا صرفنا آلاف الجنيهات على الدروس الخصوصية طوال السنة، وفي النهاية ينصدمون بأسئلة فوق مستوى الطالب العادي؟ ده ظلم صريح”.

وانتقد بشدة التشدد داخل اللجان، قائلًا إن المراقبين يضاعفون الضغط على الطلاب بتصرفات متعسفة: “ولادنا بيبقوا مرعوبين من مجرد طلب دخول الحمام أو إنهم يحاولوا يراجعوا بهدوء، ليه كل دا؟ هل وزير التعليم هيعتبر إن النجاح في كده؟”.

وطالب ولي الأمر بضرورة مراجعة نماذج الامتحانات وفحص النقاط الصعبة، مع توزيع درجاتها بشكل عادل على باقي الأسئلة، احترامًا لمجهود الطلاب، وإنقاذًا لعام دراسي كامل من الضياع بسبب سياسات تعليمية غير متزنة.

اترك رد