البهجة السنيّة.. إصدار أزهري يضيء دروب العقيدة بتراث البرّاوي

تقرير:مصطفى على
في إطار جهوده الدؤوبة لإحياء التراث العلمي الإسلامي، أطلق مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف مؤخرًا إصدارًا جديدًا يُعرض حاليًّا في منافذ بيع الإصدارات الأزهرية، وهو كتاب «البهجة السنيّة على متن السنوسية»، للعلامة عيسى البرّاوي الشافعي، المُلقب بـ”الشافعي الصغير”، أحد أعلام الأزهر البارزين، وشيخ كبار العلماء من أمثال محمد مرتضى الزبيدي، والشيخ الشهاب العروسي شيخ الأزهر، والعلامة حسن الكفراوي.
يأتي هذا الإصدار ضمن جهود الأزهر الشريف، برعاية فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في ربط الأجيال المعاصرة بجذورهم العقدية والفكرية الأصيلة، عبر إحياء التراث العلمي المحقق والمنقح، بما يخدم صناعة الوعي ويحصّن العقول ضد دعاوى التفكيك والتشكيك.
“السنوسية الصغرى”.. متن عقدي خالد وعمدة في علم الكلام
الكتاب هو شرح مفصل على متن السنوسية المعروف باسم “أم البراهين الصغرى”، وهو من أجمع متون الإمام محمد بن يوسف السنوسي في العقيدة، وأكثرها تداولًا بين العلماء وطلبة العلم، لما يحويه من أصول الإيمان وقواعد التوحيد بشكل مركز وعميق.
وقد تميز هذا الشرح الذي قدمه الإمام عيسى البرّاوي، بتجليه للمعاني العقدية الدقيقة، وشرحه المبسط لمفردات المذهب الأشعري الذي يعد عماد العقيدة الأزهرية عبر قرون. وقد تجلت في مؤلفه روح الإخلاص، ونفَس الولاية، وعمق الدراية، مما جعله مرجعًا رصينًا للباحثين وطلاب العلم.
ملامح منهج البرّاوي في الشرح.. تبسيط، تحقيق، وإشراق علمي
من أبرز ما يميز “البهجة السنية” أنه لا يعتمد على الحشو بالنقول، بل عمد مؤلفه إلى استيعاب أقوال العلماء، وتمحيصها، وهضمها، ليقدم للقارئ شرحًا متينًا خالصًا من شوائب التكرار والاختلاف. وهو منهج يعبّر عن رؤية تحليلية معمقة تجلّت في قدرة البرّاوي على جمع المفرّقات العلمية في موضع واحد، مما يسهّل الضبط والفهم على الطالب والقارئ.
وقد أبدع المؤلف في طرحه للعقائد بطريقة تكشف عن دقة فقهية وعمق إيماني، فيلتقي عنده المنطق العقلي بصفاء الإيمان الروحي، مما جعل شرحه كالعسل المصفى كما وصفه العلماء بل يزيد، لبراعة تحريره ودقة عباراته.
رجل من رجال الأزهر.. البرّاوي وسيرته العلمية
العلامة عيسى البرّاوي الشافعي وُلد في بيئة علمية وتربّى في كنف الأزهر الشريف، وتخرّج على يديه ثلة من كبار العلماء الذين نهضوا بالأزهر في قرونه المتعاقبة وقد لقبه أهل العلم بـ”الشافعي الصغير”، لما عُرف عنه من تضلّع في الفقه والعقيدة على مذهب الإمام الشافعي.
ويُحسب له أنه أثّر في أجيال من العلماء، منهم الإمام محمد مرتضى الزبيدي صاحب “تاج العروس”، والشيخ الشهاب العروسي شيخ الأزهر، والشيخ أحمد السحيمي، والعلامة حسن الكفراوي، وغيرهم من أركان المدرسة الأزهرية الكلاسيكية.
وقد وافته المنية رحمه الله في الرابع من رجب سنة 1182 هـ، تاركًا وراءه تراثًا علميًّا فريدًا، لا يزال يُستضاء به في معاهد العلم ومجالس الفقه.
استجابة لتوجيهات الإمام الأكبر.. نشر التراث واجب الوقت
يأتي نشر هذا الكتاب في سياق استجابة مباشرة لتوجيهات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي يولي اهتمامًا بالغًا بـ تفعيل دور الأزهر في ربط الأمة بتراثها الحضاري والعلمي، وترسيخ الهوية الإسلامية الوسطية عبر نشر أمهات الكتب ومتون العلم الشرعي.
وقد أوضحت الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية أن هذا الإصدار يأتي في إطار مشروع استراتيجي لنشر كنوز التراث العقدي والكلامي، بما يسهم في تحصين الشباب من الانحرافات الفكرية والتيارات المتطرفة، عبر ربطهم بالمناهج العلمية الموثوقة، التي صاغتها عقول ربانية، وخدمها علماء الأزهر على مر العصور.
في منافذ البيع.. دعوة لإعادة قراءة التراث بعين جديدة
يتوفر الكتاب الآن بمنافذ بيع إصدارات الأزهر الشريف، في خطوة تهدف إلى جعل هذا العمل العلمي العظيم في متناول العامة والخاصة، لا سيما طلبة الكليات الشرعية والباحثين في علم العقيدة، وكل من يحرص على إحياء العقلية الإسلامية الوسطية وتغذية وجدانه بميراث العلماء.
إن “البهجة السنية” ليس مجرد شرح لكتاب قديم، بل هو بوابة للدخول إلى عالم من النور العقلي والروحي، تمثّلت فيه سمات مدرسة الأزهر في الربط بين النقل والعقل، وبين التلقي الروحي والتحقيق العلمي، وبين النص والتجديد.
نحو وعي عقدي راسخ
في زمن كثر فيه اللغط حول العقيدة والهوية، وتموجت فيه الأفكار من أقصى التطرف إلى حدود التسيب، يأتي هذا الكتاب ليذكّر الأمة بكنوزها المطمورة، وليدعو أبناءها إلى العودة إلى منابع العلم الأصيل، حيث النقاء، والوضوح، والإخلاص، والسداد.
