بين الإعجاز والغيب.. حقيقة قوم يأجوج ومأجوج في الإسلام

تقرير:مصطفى على
من أكثر القضايا التي شغلت العقل الإسلامي وتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، قصة قوم يأجوج ومأجوج، الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم والسنة النبوية كأحد أعظم علامات الساعة الكبرى ومع أن هذه القصة تُعد من الغيبيات التي لا سبيل للعقل البشري إلى الإحاطة بتفاصيلها إلا من خلال النصوص الموثوقة، إلا أن الأحاديث النبوية الشريفة جاءت لتكشف جوانب متعددة من حقيقتهم ومآلهم، وما سيكون لهم من أثر بالغ في مشاهد نهاية العالم.
حديث زينب بنت جحش: إنذار النبي واقتراب الخطر
روت السيدة زينب بنت جحش، زوجة النبي ﷺ، حديثًا يكشف عن قلق نبوي بالغ من اقتراب شر يأجوج ومأجوج، حيث قالت:
“دخل النبي ﷺ يومًا فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلّق بين إصبعيه الإبهام والتي تليها”.
حينها سألته زينب: “يا رسول الله، أفنهلك وفينا الصالحون؟”
فأجابها: “نعم، إذا كثر الخبث” [رواه البخاري ومسلم].
ويكشف هذا الحديث عن تصور نادر من النبي ﷺ للحظة زمنية حساسة يوشك فيها الخطر أن ينفلت من عقاله ومغزى الحديث لا يقتصر فقط على مجرد التذكير بخروج قوم يأجوج ومأجوج، بل يُشير إلى أن الهلاك العام يمكن أن ينزل إذا طغى الفساد، حتى لو وُجد بين الناس صالحون، مما يدل على خطورة المرحلة وضرورة التواصي بالحق والخير.
النواس بن سمعان: وصف دقيق لظهور يأجوج ومأجوج
في حديث مطول من رواية الصحابي النواس بن سمعان، أوضح النبي ﷺ تفاصيل مدهشة عن لحظة خروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى بن مريم عليه السلام، إذ جاء فيه:
“يوحي الله إلى عيسى عليه السلام: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطور”.
ويتابع الحديث وصف هؤلاء القوم العاتين بأنهم يخرجون من كل فجٍ وسفح، فيشرب أوائلهم من بحيرة طبرية حتى تجف، حتى يقول آخرهم: “لقد كان بهذه مرة ماء”، ما يدل على كثرتهم الهائلة وتدميرهم لكل ما يقابلونه.
ثم يحاصرون نبي الله عيسى وأصحابه حتى تُصبح رؤوس الثيران أحب إليهم من الذهب من شدة الجوع، فيلجأون إلى الدعاء، فيستجيب الله ويرسل عليهم “النغف” – دودًا في رقابهم – فيهلكهم الله جميعًا كموت نفس واحدة [رواه مسلم].
يرومون السماء بسهامهم… ويعيدها الله مضرجة بالدماء
في رواية أخرى تكشف مدى جبروت يأجوج ومأجوج وتوهمهم بالقوة المفرطة، يقال إنهم بعد أن يعيثوا في الأرض فسادًا، يتجهون نحو السماء رافعين سهامهم، فيُعيدها الله عليهم مخضبة بالدماء، ليظنوا أنهم قد بلغوا عنان القوة وسادوا أهل الأرض والسماء.
وفي هذا المشهد الرمزي دلالة عظيمة على زيف القوة الكاذبة، وأن الله قادر على أن يُظهر ضعفهم في لحظة، وهو ما يقع فعلاً حين يقضي عليهم بكائن صغير لا يُرى، فيموتون جميعًا في لحظة واحدة.
حديث الإسراء والمعراج: يأجوج ومأجوج يفسدون ويهلكهم الله
حديث آخر أورده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ضمن حوار دار بين النبي ﷺ والأنبياء في رحلة الإسراء والمعراج، حيث تحدث عيسى عليه السلام عن يأجوج ومأجوج بعد قتل الدجال، وكيف يخرجون في الأرض مفسدين، لا يمرون بماء إلا شربوه ولا بشيء إلا دمروه.
ويختم النبي ﷺ الرواية بالقول إن عيسى عليه السلام سيدعو الله، فيستجيب له، فيموت يأجوج ومأجوج، وتجوى الأرض من رائحتهم، فيدعو النبي مرة أخرى، فيُرسل الله ماءً من السماء ليحمل أجسادهم ويقذف بها في البحر [رواه ابن ماجه والحاكم].
حديث أبي هريرة: الأرض تسمن من لحومهم
في رواية أخرى لأبي هريرة رضي الله عنه، يذكر النبي ﷺ أن الدواب تسمن وتبطر من لحوم يأجوج ومأجوج بعد هلاكهم، ما يُدلل على كثرتهم الهائلة، حتى تُصبح الأرض ممتلئة بجثثهم ودمائهم، ويكون لتلك اللحوم أثر في دورة الحياة الطبيعية بعد فناء القوم.
سد يأجوج ومأجوج: هل لا يزال قائمًا؟
تحدثت الأحاديث النبوية أيضًا عن السد الذي بناه ذو القرنين لصد يأجوج ومأجوج، وأنهم يحفرونه يومًا بعد يوم، حتى إذا اقتربوا من اختراقه قال الذي عليهم: “ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله”.
وفي اليوم التالي، يكون السد كما تركوه، فيخرقونه ويخرجون على الناس، وهذه من المعجزات التي تُشير إلى أن وقت خروجهم مربوط بإرادة الله المطلقة وليس بقدراتهم البشرية [رواه الترمذي والحاكم].
دروس وعبر: آيات غيبية وتذكير بعظمة الله
علّق الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه “فتح الباري” على هذا الحديث، مُبينًا أن فيه ثلاث آيات عظيمة:
1. استمرارهم في الحفر دون كلل أو ملل.
2. عدم إلهامهم فكرة تجاوز السد بالتسلق أو الوسائل الحديثة.
3. أن الله لم يُلهمهم قول “إن شاء الله” حتى تحين لحظة خروجهم.
وهذه الإشارات تكشف عن أن قصة يأجوج ومأجوج ليست فقط سردًا غيبيًا بل درسًا في عظمة تدبير الله تعالى، وفي مدى ضعـف الإنسان أمام إرادة الله، مهما بلغت قوته أو عدده.
علامة كبرى من علامات الساعة
كل ما ورد في الأحاديث السابقة يُجمع على أن خروج يأجوج ومأجوج علامة من علامات الساعة الكبرى، التي لا يُمكن تفسيرها بعقلانية خالصة، لكنها ضمن الإيمان بالغيب الذي هو أحد أركان العقيدة الإسلامية.
وقد أكد العلماء أن الحديث عن يأجوج ومأجوج ليس من باب التخويف المجرد، بل لترسيخ الإيمان بقدرة الله، وإعداد النفس المؤمنة لمشاهد آخر الزمان، وتنبيه البشرية إلى مصيرها المحتوم، في وقت تزداد فيه الفتن والشرور، ويقل فيه الوعي الديني.
الغيب لا يُدرك بالعقل المجرد… والإيمان حصن في زمن الفتن
تُعد قصة يأجوج ومأجوج بما فيها من تفاصيل ومشاهد مروعة، درسًا تربويًا وعقائديًا في آنٍ واحد، حيث يدرك المسلم من خلالها حدود العقل، وحقيقة القدرة الإلهية، وعظمة ما ينتظر البشرية من أحداث كبرى قبل قيام الساعة.

