تقارير-و-تحقيقات

نائب محافظ سوهاج يكرم أمًا وابنها لتفوقهما معًا في الثانوية العامة

تقرير:مصطفى على

في مشهد يفيض بالإنسانية ويستحق أن يُخلَّد في ذاكرة التعليم المصري، احتضنت محافظة سوهاج لحظة استثنائية، حيث كرَّم الدكتور محمد عبد الهادي، نائب محافظ سوهاج، سيدة أربعينية من قرية باصونة بمركز المراغة، تدعى سارة أحمد، ونجلها محمد السيد، بعد أن اجتازا معًا امتحانات الثانوية العامة لعام 2025 بنسبة نجاح لافتة، في قصة كفاح فريدة رسمت مشهدًا من الإلهام التربوي والمجتمعي.

هذا التكريم لم يكن مجرّد إجراء بروتوكولي، بل كان اعترافًا رسميًا بنموذج إنساني يحمل رسالة صريحة: “لا وقت متأخر للحلم، ولا عقبة يمكنها أن تُعيق الإرادة إن كانت صادقة ومستمرة”.

ليست من القصص الخيال، بل واقعة حقيقية شهدتها أروقة مدرسة “رجب محمد محمود الثانوية المشتركة” بقرية باصونة، حيث جلست سارة أحمد، الأم، على مقعد دراسي إلى جوار ابنها محمد ليبدآ معًا رحلة التعليم الثانوي، في تحدٍ مزدوج للسنّ والظروف.

سارة، التي بلغت من العمر ما يكفي لجعلها ضمن الفئات التي عادةً ما تنشغل بأعباء الأسرة والعمل، قررت أن تُعيد رسم ملامح مستقبلها، ليس بعودة فردية إلى التعليم، بل بمرافقة نجلها خطوة بخطوة، في دراسة المنهج، والمذاكرة الليلية، وحضور الدروس، وحتى لحظات القلق قبل الامتحانات.

وبعد عام دراسي شاق، توّجت الأم مجهودها بالحصول على مجموع 89%، بينما حصد ابنها محمد 86%، ما أثار إعجابًا واسعًا في الشارع السوهاجي، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول الحكاية إلى ترند محلي يلهم العشرات من الأسر والطلاب في مختلف أنحاء مصر.

التكريم الرسمي: “الإرادة تنتصر على الأعذار”

أقام ديوان عام محافظة سوهاج حفلًا رسميًا لتكريم هذا الإنجاز، وحرص نائب المحافظ على حضور الفعالية بنفسه، وإلقاء كلمة تعبّر عن فخره بهذا النموذج، حيث قال الدكتور عبد الهادي:

“ما فعلته السيدة سارة ونجلها هو شهادة حقيقية على أن التعليم لا يرتبط بسن، بل يرتبط بالإرادة، والعزيمة، والإصرار على تحقيق النجاح، وهذا ما يجعل سوهاج تفخر دومًا بأبنائها ونماذجها الإيجابية”.

وشدّد نائب المحافظ على ضرورة تسليط الضوء على مثل هذه القصص في وسائل الإعلام، ليس فقط من باب الاحتفاء، بل باعتبارها نماذج تُسهم في تحفيز الفئات المهمشة أو من توقفوا عن التعليم بسبب ظروف قهرية، مشيرًا إلى أن المحافظة ستستمر في دعم هذه النماذج وتقديم الحوافز المعنوية لها.

رحلة تعليمية محفوفة بالتحديات: “دموع الفرح عوّضتنا”

في تصريحاتها خلال التكريم، أعربت سارة أحمد عن امتنانها العميق لهذا الاحتفاء، مؤكدة أن لحظة النجاح كانت بمثابة “الولادة من جديد”، وقالت:

“لم تكن رحلة الدراسة سهلة، كنا نُذاكر لساعات طويلة بعد عناء يوم من الأعمال المنزلية والضغوط المعيشية، لكن حلم النجاح كان يرافقني في كل لحظة تعب”.

وأضافت أن اللحظة التي علِما فيها بالنتيجة كانت لحظة استثنائية، حيث اختلطت فيها دموع الفرح بالفخر المشترك، مضيفة:

“أن ننجح معًا، وأن يُرفع اسمنا في المحافظة، هو أكبر جائزة كنا نحلم بها”.

أما محمد، الابن، فعبّر عن فخره بأمه، قائلًا:

“كانت أمي أكبر دافع لي، كنا نذاكر معًا ونحل الأسئلة معًا، وحينما أتعب كانت تشجعني، وكان يكفيني أن أنظر في عينيها لأشعر بالحماس”.

إن ما قدمته سارة أحمد ونجلها محمد ليس مجرد قصة نجاح دراسي، بل رسالة مجتمعية تربوية متكاملة، تُعيد الاعتبار لقيمة التعليم كأساس للنهوض، وتكسر الحواجز الوهمية التي تحول بين الأفراد وأحلامهم.

كما يعيد هذا النموذج طرح تساؤلات على الجهات التعليمية والاجتماعية:

لماذا لا تُخصص برامج أكثر لدعم التعليم للكبار؟

وهل بالإمكان إدماج أولياء الأمور في المسارات التعليمية لأبنائهم؟

وما مدى تأثير القدوة داخل الأسرة على دافعية الأبناء نحو التفوق؟

قصة سارة وابنها تصلح أن تُدرّس كمثال تطبيقي على أن الإرادة الفردية، حين تندمج مع الروابط الأسرية والدعم المعنوي، قادرة على تحطيم كل القيود، وتغيير الواقع مهما كانت تحدياته.

من زاوية أخرى، تكشف هذه القصة أن تثقيف الأم لا يصب في مصلحتها الشخصية فقط، بل هو استثمار مباشر في الأبناء والمجتمع ككل. فالأم التي تتعلم تصبح أكثر وعيًا بحقوقها، وأكثر دعمًا لمسيرة أولادها التعليمية، وأقدر على مواجهة تحديات العصر.

وتُظهر دراسة صادرة عن “منظمة اليونسكو” أن تعليم الأم يزيد من احتمالية إكمال الأبناء لتعليمهم بنسبة تتجاوز 70%، وهو ما تجسّد حرفيًا في حالة سارة ومحمد.

لم تكن قصة سارة وابنها مجرد رحلة تعليمية عادية، بل كانت ملحمة إرادة وصبر ووفاء متبادل بين أم وابنها وبينما حصد الاثنان ثمرة اجتهادهما في شهادة الثانوية العامة، فقد زرعا في قلوب الكثيرين بذور الأمل، وأثبتا أن النجاح لا يعرف عمرًا، وأن الإرادة الحقيقية لا تعترف بالمستحيل.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى