رسالة دكتوراه تكشف دور هديّة مجلة الأزهر في تجديد الفكر وترسيخ القيم

 

 

كتب :مصطفى على

في مشهد علمي يعكس اهتمام الأزهر الشريف بتعزيز الفكر الوسطي ومواكبة قضايا العصر، شهدت كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، اليوم الثلاثاء، مناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من الباحث محمد حسن عبد العظيم حسن، والتي جاءت تحت عنوان: “دور هديّة مجلة الأزهر في معالجة الفكر والقيم: دراسة تحليلية”، وذلك بحضور نخبة من الأساتذة المتخصصين، يتقدمهم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، كمناقش خارجي للرسالة.

تألّفت لجنة المناقشة والحُكم من كوكبة علمية متميزة، ضمت كلاً من:

أ.د. محمد عبد الدايم الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية (مناقشًا خارجيًّا)،

أ.د. أحمد ربيع أحمد، أستاذ قسم الثقافة الإسلامية بالكلية (مناقشًا داخليًّا)،

أ.د. شرف الدين أحمد، أستاذ قسم الثقافة الإسلامية (مشرفًا علميًا)،

أ.د. حسن يونس حسن، الأستاذ المساعد بالقسم ذاته (مشرفًا مشاركًا).

وقد أثرت هذه اللجنة المناقشة العلمية بتعقيبات دقيقة وموضوعية، تناولت محتوى الرسالة ومنهجها ومصادرها وأثرها الأكاديمي.

هديّة الأزهر.. مسيرة فكرية وقيمية تتجاوز الزمان

استعرض الباحث في أطروحته المسار التاريخي العريق لـ«هديّة مجلة الأزهر»، والتي تُعدّ إحدى أبرز المنابر الثقافية والدعوية في تاريخ المؤسسة الأزهرية. حيث تتبّعت الدراسة الأهداف التأسيسية للهديّة، واتجاهاتها الفكرية، ومناهجها في مخاطبة القارئ المسلم، إضافة إلى عرض القضايا الفكرية والقيمية التي تناولتها عبر العقود.

كما قدمت الرسالة تحليلًا عميقًا لرؤية الهديّة في معالجة العلاقة بين الماضي والحاضر، وإسهامها في تصحيح المفاهيم المغلوطة، ومواجهة التيارات الفكرية المنحرفة، من خلال استثمار أدوات العصر دون التفريط في ثوابت الدين.

فكر مستنير ينير طريق الأمة

انطلقت الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن هديّة مجلة الأزهر لا تمثل مجرد ملحق ثقافي، بل تُجسّد مشروعًا فكريًا متكاملاً يسعى لتجديد العقل المسلم دون قطيعة مع الأصول.

وقد أوضحت الرسالة كيف مزجت الهديّة بين النقل الثابت والعقل المستنير، لتنتج خطابًا فكريًا رشيدًا قادرًا على التفاعل مع قضايا الواقع كما برز في الدراسة دور الهديّة في التصدي لمحاولات الفصل بين الدين والدولة، وإعادة بناء المفاهيم الإسلامية بما يتسق مع روح العصر، مع الحفاظ على المبادئ الشرعية الراسخة.

ترسيخ القيم الأخلاقية والحضارية.. هدف لا يغيب

تناولت الرسالة أيضًا الدور المهم الذي تلعبه هديّة الأزهر في ترسيخ القيم الأخلاقية والحضارية العليا في وعي المجتمع، عبر معالجات راقية ومتزنة، تبرز أهمية القيم في بناء الإنسان والعمران.

وطرحت الدراسة نماذج متعددة من مقالات الهديّة التي تناولت موضوعات مثل: الرحمة، التسامح، المسؤولية، الانتماء، الحوار، وغير ذلك من القيم التي تشكل الركيزة الأساس في الحضارة الإسلامية، مؤكدة أن الهديّة تبنّت خطابًا يعزز هذه القيم في النفوس، بما يحقق التوازن بين متطلبات الحياة الدنيا ومتطلبات الآخرة.

التجديد المنضبط.. سمة بارزة في منهج الهديّة

من أبرز ملامح الرسالة، أنها ركزت على مفهوم التجديد المنضبط، حيث أظهرت كيف التزمت هديّة مجلة الأزهر بضوابط التجديد الشرعي، فجمعت بين الجرأة في الطرح والالتزام بالأصول، وقدّمت حلولًا معرفية تتعامل بوعي مع التحديات الراهنة، دون الانجرار وراء التقليد الأعمى أو التبعية الفكرية للغرب.

كما شددت الدراسة على أن الهديّة لم تكن أبدًا معزولة عن معارك الفكر والهوية، بل كانت في قلبها، تواجه حملات التغريب والتشكيك، وترد على دعاوى الإلحاد والانفلات الأخلاقي، وتؤكد في الوقت ذاته أن الإسلام دين العقل والمنطق والحضارة.

مقترحات تطويرية لتعزيز أثر الهديّة

ولم تكتفِ الدراسة بالتحليل والاستعراض، بل قدّمت عددًا من المقترحات التطويرية التي من شأنها تعزيز دور هديّة مجلة الأزهر في المستقبل، شملت:

توسيع النطاق الرقمي للهديّة لتصل إلى الأجيال الجديدة من خلال التطبيقات والمنصات الرقمية،

تطوير المحتوى ليتناسب مع اهتمامات الشباب،

تخصيص ملف دوري لمواجهة الشبهات الفكرية المعاصرة،

تعظيم التعاون مع المؤسسات التعليمية والإعلامية،

إطلاق مسابقات فكرية سنوية مستوحاة من محتوى الهديّة لتعزيز التفاعل القرائي.

نتائج علمية تؤكد الريادة الفكرية للأزهر

خلصت الرسالة إلى عدد من النتائج الجوهرية، أبرزها:

أن الفكر الإسلامي الأصيل قادر على الجمع بين الإيمان بالعقل والتمسك بالنقل،

أن هديّة مجلة الأزهر نموذج يحتذى به في مجابهة الانحرافات الفكرية والتصدي للغزو الثقافي،

أن المحتوى القيمي الذي تقدمه الهديّة يسهم في بناء مجتمع متوازن وسويّ،

وأن التجديد لا يعني التغيير الكامل بل هو إعادة صياغة المعاني في قوالب العصر دون إلغاء الأصول.

منح الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى تقديرًا للجهد العلمي

في ختام جلسة المناقشة، قررت اللجنة العلمية بالإجماع منح الباحث درجة العالمية (الدكتوراه) بمرتبة الشرف الأولى، مشيدة بما بذله من جهد متميز، وبأهمية الموضوع الذي يعد إضافة حقيقية للمكتبة الإسلامية وللخطاب الفكري المعتدل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *