فتبيَّنوا.. الأزهر يواجه الشائعات بحملة توعوية شاملة

كتب: مصطفى على
في ظل التحديات الفكرية المتسارعة، وفي مواجهة أخطر أسلحة العصر الرقمي التي تهدد استقرار المجتمعات ووحدة الصف الوطني، أطلق مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، اليوم، حملة توعوية كبرى تحت عنوان «فتبيَّنوا»، وهي مبادرة تحمل بُعدًا دينيًا وفكريًا ومجتمعيًا، تُعلي من قيمة التثبّت في زمن الفتن الرقمية، وتُحذر من الانسياق وراء الشائعات التي قد تزرع بذور الفرقة، وتنسف دعائم الثقة بين الناس.
الأزهر.. حارس الوعي في وجه فوضى الكلمة
تأتي الحملة الجديدة استمرارًا للدور الريادي الذي يضطلع به الأزهر الشريف، جامعًا وجامعة، في حماية الوعي العام وتحصين المجتمع ضد الظواهر التي تهدد أمنه المعنوي، وعلى رأسها الشائعات التي تنتشر كالنار في الهشيم عبر الوسائط الحديثة، دون تحرٍّ أو تروٍّ أو إدراك للعواقب.
وأكد الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن الحملة تمثل امتدادًا طبيعيًا لرسالة الأزهر التي لم تنقطع يومًا في حماية العقل الجمعي وبناء الإنسان ووقايته من الانجراف خلف موجات الزيف والتضليل، موضحًا أن الإسلام دينٌ يُربي أبناءه على ثقافة التثبّت، حيث لا تنطلق الكلمة إلا بعد تمحيص، ولا يُلقى الاتهام إلا بدليل، لأن الكلمة في ميزان الشريعة ليست مجرد لفظ، بل مسؤولية وأمانة.
التثبّت: فريضة دينية ومنهج حضاري
من خلال هذه الحملة، يسعى المجمع إلى ترسيخ قيمة التثبّت، ليس فقط كموقف شرعي بل كسلوك حضاري يُعبّر عن وعي الفرد ونضجه الإنساني والديني وقد أوضح الدكتور الجندي أن غاية الحملة تكمن في تعميق وعي الأفراد بخطورة نقل الأخبار دون تحقق، حيث قد تتحول الكلمة غير المسؤولة إلى سهم قاتل يُصيب الأبرياء، أو شرارة تُشعل فتنة، أو معلومة زائفة تُفسد الثقة بين الناس، وتُقوّض دعائم الأمان المجتمعي.
ولفت إلى أن الإسلام قدّم نموذجًا متكاملًا في التعامل مع المعلومات، فربط القول بالنية، وحدد ضوابط التلقي والنقل، وألزم المسلم بالتحري والعدل، وهو ما يتسق مع قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، وهي الآية التي تحمل اسم الحملة، وتعدّ مفتاحًا لفهم الموقف الإسلامي من فوضى تداول الأخبار.
محاور متكاملة: من القرآن إلى الواقع
ولأن الشائعة ليست مجرد معلومة كاذبة، بل أداة هدم حقيقية قد تُسهم في تمزيق المجتمعات، فقد حرص مجمع البحوث الإسلامية على بناء حملة “فتبيَّنوا” على مجموعة من المحاور المتكاملة:
المنظور الشرعي للشائعات: عبر تسليط الضوء على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تُحذر من التسرع في نشر الأكاذيب وترويج الأباطيل.
البُعد المجتمعي: من خلال توعية الجمهور بخطورة الشائعات على أمن الأوطان وتماسك الأُسر، وتأثيرها السلبي على الروابط الاجتماعية.
ثقافة التحقق: تقديم أدوات علمية وعملية تساعد الأفراد في التثبت من صحة الأخبار ومصادرها، وخاصة في ظل الفوضى الإعلامية المتزايدة على مواقع التواصل.
التربية الإعلامية للنشء: العمل على تثقيف الشباب والطلاب بآداب التعامل مع المعلومات في العصر الرقمي، وتعليمهم مهارات التحليل والتمحيص.
قصص واقعية ملهمة: عرض نماذج حقيقية تُبرز أثر الكلمة، سواء في البناء والتماسك، أو في الهدم والإفساد، لتكون عِبرة وعظة للأجيال الجديدة.
الحملة.. مشاركة مجتمعية لا ترف دعوي
ولم تكتفِ الحملة بخطابها التوعوي العام، بل تسعى لتفعيل الشراكة المجتمعية، بحيث يكون كل فرد جزءًا من هذه المواجهة الفكرية وشدد الجندي على أن “فتبيَّنوا” لا تُخاطب فئة دون أخرى، بل تهدف إلى تحويل كل فرد إلى صمام أمان لمجتمعه، وإلى حامل لرسالة “التروّي والتبيّن” التي يُؤمن بها الإسلام.
وأضاف أن الأزهر الشريف، من خلال هذه الحملة، يُكرّس مفهوومًا جديدًا للدعوة، يرتكز على الفهم العميق للواقع، والتفاعل النشط مع التحديات، وعدم الاكتفاء بالوعظ التقليدي، بل النزول إلى ساحات التواصل المباشر مع الناس، وإحياء ضمير الكلمة كخط دفاع أول في وجه حملات التزييف الممنهجة
الحملة التي تستمر على مدار أسبوعين تتضمن برنامجًا ميدانيًا مكثفًا، يتنوع بين الندوات والمحاضرات والخطب في المساجد الكبرى، واللقاءات الجماهيرية في مراكز الشباب والأندية الاجتماعية، إلى جانب تنظيم ورش عمل تثقيفية للفئات المختلفة.
ومن جهة أخرى، يُطلق المركز الإعلامي لمجمع البحوث الإسلامية حملة رقمية متكاملة، تشمل إنتاج مقاطع فيديو قصيرة توضح خطورة الشائعات بلغة مبسطة تناسب الشباب، بالإضافة إلى منشورات توعوية تُبث عبر المنصات الرسمية للمجمع على فيسبوك، إكس، إنستجرام وغيرها.
“فتبيَّنوا”: مشروع وطني لحماية العقول
الحملة في جوهرها ليست مجرد نشاط دعوي، بل مشروع وطني لحماية العقول وبناء الوعي الجمعي، وهي بذلك تُعيد توجيه البوصلة نحو القيم الإسلامية الأصيلة التي تدعو إلى العدل والصدق والحرص على المصالح العامة.
وفي ظل هذا المشروع، يؤكد الأزهر الشريف أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الحدود، وأن من أخطر ما يُهدد الأمة في هذا العصر هو التلاعب بالعقول وتزييف الإدراك، داعيًا إلى أن يكون كل مواطن عينًا يقظة، ولسانًا صادقًا، وضميرًا حيًّا، يزن الكلمة قبل أن ينطق بها أو يُعيد نشرها.


