
تقرير: مروة محي الدين
اهتزت ولاية باليكسير غرب تركيا، مساء أمس، بزلزال بلغت قوته 6.19 درجة على مقياس ريختر- حسب المركز الألماني لعلوم الأرض (GFZ)، بينما قالت إدارة الكوارث والطوارئ التركية (أفاد): إن الزلزال بلغت قوته 6.1 درجة فقط، وكان مركزه قضاء صيندرجي، على عمق 11 كيلو متر تحت سطح الأرض، ما نجم عنه انهيار مبنى، وإصابة 4 أشخاص.
وما أثار حالة من الهلع بين المواطنين، كان تسجيل 7 هزات ارتدادية، خلال الساعات الأولى للزلزال الرئيسي، بقوة تتراوح بين 3.5 و4.6 درجة؛ وطال عدة مناطق إلى جانب باليكسير، من بينها إسطنبول- التي تبعد 40كم فقط عن الولاية، وإزمير، وأجزاء من غرب وشمال غرب البلاد؛ وهو ما دفع السكان في إسطنبول ومناطق أخرى إلى ترك منازلهم، والتوجه إلى الحدائق العامة، خشية وقوع هزات أقوى.
كذلك وصلت الهزات الأرضية عدة دول أخرى، حيث شعر السكان في اليونان وقبرص بها، بفعل قرب الموقع الجغرافي؛ وتحدثت بيانات عن تأثر بلغاريا ومقدونيا الشمالية به بشكل طفيف، ورصدت المراكز البريطانية المتخصصة وصول الهزات إليها، دون تأثيرات ملموسة.
وقد علق الدكتور “محمد الألفي”- خبير الاقتصاد السياسي- في تصريحات خاصة لموقع اليوم على الزلزال، فقال: “هذا الزلزال يذكرنا بأن تركيا تقف على قنبلة زلزالية موقوتة، خاصة مع تراكم الطاقة في صدع شمال الأناضول منذ 250 عاماً، وعلى الرغم من محدودية الخسائر البشرية، فإن السيناريو الأسوأ، الذي قد يحمله زلزال بقوة تزيد على 7درجات، أصبح مسألة وقت وفقاً للبيانات العلمية، ويتطلب تجنبه تحديثًا للبنى التحتية خلال 5 سنوات، وتمويل أبحاث الرصد المتقدم، مع إقران ذلك بالتوعية المجتمعية المستمرة”.
سيناريو الزلزال الكبير

بينما تحدثت السلطات التركية عن انهيار مبنًا واحدًا، من أثار الزلزال، ارتفعت تقارير إعلامية بحجم الخسائر إلى 10 مبانٍ، ودمار في بعض المساجد والمنازل، كما خلف أضرارًا في شبكات الطرق والمرافق العامة، دون تأثيرات كبيرة على البنية التحتية الحيوية، من شبكات المياه، والكهرباء، والغاز؛ وبالمثل ثار خلاف على عدد الهزات الارتدادية فاعترفت السلطات بسبعة هزات، فيما ارتفعت تقارير بها إلى 20 هزة، وكذلك كان هناك اختلاف بين مراكز الرصد التركية والألمانية على قوة الزلزال.
وهو ما أثار التساؤلات عن الخلاف على تلك الحقائق، وقد فسرها “الألفي” في تصريحاته، فقال: “في ظل تواتر التحذيرات من هزات ارتدادية محتملة على البلاد خلال الأيام القادمة، بقوة متوسطة تتراوح بين 4- 5 درجات، تصاعد القلق من انتشار الذعر في البلاد، بسبب ذكريات زلزال 2023 المدمر، الذي خلف 53 ألف قتيل في تركيا، و 6 آلاف في سوريا؛ وفي زلزال أبريل 2025، سُجلت 236 إصابة نتيجة القفز من المباني بسبب الذعر”.
وتابع مفسرًا حديثه: “كما يبرز سيناريو الزلزال الكبير، الذي تزيد قوته على 7 درجات، حيث ترجح دورية “نيتشر” العلمية حدوثه بنسبة 50% بحلول عام 2030، وبنسبة 90% بحلول عام 2070؛ وهناك دراسات ألمانية تشير إلى أن الزلزال المدمر قد لا يحدث دفعة واحدة، بل يكون نتيجة سلسلة هزات متتالية قد تصل على سبيل المثال إلى 4- 5 زلازل، بقوة تصل 6- 7 درجات؛ وفي حالة زلزال باليكسير، قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الصدع المارماري، مما يسرع من وقوع الزلزال الكبير”.
الأثار الاقتصادية والسياسية

الزلزال الذي حمل مخاطر كبيرة، واختلفت التقديرات على قوته وتوابعه والخسائر الناجمة عنه، ترك أثره الاقتصادي والسياسي على تركيا، حيث أوضح “الألفي”: أن “التقديرات الأولية للخسائر الناجمة عنه، تصل إلى 84 مليار دولار، بما يشمل تكاليف إعادة الإعمار وفقدان الدخل القومي؛ كذلك تأثر %15 من الناتج المحلي من القطاع الزراعي في الولايات المتضرر، و %9 من القطاع الصناعي فيها؛ مع احتفاظ المراكز الاقتصادية الكبرى، مثل: إسطنبول وأنقرة، بسلامتها النسبية”.
وأضاف: “ولتلافي تلك الآثار خصصت الحكومة 100 مليار ليرة تركية لإغاثة المتضررين، ووفرت منح نقدية للمشردين، وأجلت ديون المزارعين والشركات لمدة 6 شهور؛ كما توقع صندوق النقد الدولي تراجع الناتج المحلي الإجمالي من 942 مليار دولار إلى 923 مليارًا، وانخفاض الصادرات بنحو 5 مليارات دولار”.
وعلى المستوى السياسي، “أثار الزلزال مخاوف من تأجيل الانتخابات المحتملة، بسبب نزوح السكان وفقدان وثائق الثبوتية، لاسيما مع إعلان حالة الطوارئ في الولايات المتضررة؛ كما تم توجيه انتقادات حادة لتراجع ميزانية إدارة الكوارث %33 منذ عام 2023، وتقصير الحكومة في تطبيق معايير البناء المقاوم للزلازل، ما زاد من حدة الأضرار؛ وتصاعدت المخاوف من تكرار سيناريو زلزال 1999، الذي أطاح بالحكومة آنذاك، ومهد لوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة”- حسب خبير الاقتصاد السياسي.
ولم تقف تداعيات الزلزال عند الشأن الداخلي، بل ألقى بظلاله على الامتداد الجغرافي والتحرك الدبلوماسي للبلاد، ووفقًا “للألفي”: “عزز الزلزال ما يعرف بدبلوماسية الكوارث، حيث تدفقت المساعدات من دول خليجية مثل الإمارات والسعودية وقطر، وكذلك الاتحاد الأوروبي، بما يشير لاحتمال تحسن العلاقات التي كانت متوترة سابقًا؛ كذلك حدث انفتاح جزئي على سوريا، عبر فتح معابر إضافية لإدخال المساعدات، مع تفعيل مباحثات غير مباشرة حول إعادة اللاجئين”.




