كيف نصنع من المولد النبوي محطة للإحياء لا للانطفاء؟

تحقيق: أحمد فؤاد عثمان
في ذكرى ميلاد خير الأنام محمد ﷺ، تتجدد مشاعر الحب والولاء، لكن يبقى السؤال الأهم: هل يكفي أن نحتفل بالمولد في مظاهر وطقوس، أم أن الاقتداء الحقيقي بسيرته هو جوهر الذكرى؟
إحياء المولد بالعمل لا بالكلام
تحقيقنا يسلط الضوء على أبعاد هذه القضية، مستعرضًا السيرة النبوية العطرة، وآراء العلماء، الدكتور وديع محمد سرحان مدرس الفقه المذهبي بجامعة الأزهر
والشيخ علي بدران خطيب وزارة الأوقاف المصرية سابقًا
وصوت الشارع الذي يعبّر عن علاقة الناس بذكرى الحبيب ﷺ.
الاحتفال الحقيقي.. اتباع لا مظهر
يقول الدكتور وديع محمد سرحان:
“المولد النبوي ليس احتفالًا شكليًا، بل فرصة لتجديد العهد مع الله ورسوله ﷺ. القرآن وضع لنا المنهج: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. المطلوب أن نحيا سيرته عمليًا”.

صوت الشارع.. كيف يحتفل الناس؟
بينما يرى بعض الشباب أن المولد مناسبة للفرح وإظهار المحبة، يرى آخرون أن جوهره في الاقتداء بالنبي.
أحمد عبد الحميد (طالب جامعي): “أنا أفرح بالمولد بشراء الحلوى، لكني أعلم أن الاحتفال الحقيقي أن أتمسك بالصلاة وأحاول أقتدي بأخلاق الرسول ﷺ”.
أم محمد (ربة منزل): “أربي أولادي على حب النبي ﷺ، وأحكي لهم قصصه، وأقول لهم إن الصلاة على النبي في كل وقت هي أفضل هدية نقدمها له”.
محمود حسن (موظف): “أحاول في المولد أن أقرأ السيرة النبوية مع أسرتي، حتى يتعلم أولادي كيف كان النبي رحيمًا وصادقًا”.
قدوة في العبادة.. قرة العين في الصلاة
كان ﷺ كثير العبادة، يقوم الليل حتى تتورم قدماه ويقول: “أفلا أكون عبدًا شكورًا”. ويعلّق الشيخ علي بدران:
“النبي ﷺ علّمنا أن العبادة ليست في الصلاة والصوم فقط، بل في بر الوالدين، وإغاثة المحتاج، والعدل بين الناس”.
ويضيف: “المسلم المعاصر يجب أن يتساءل: كيف كان النبي ﷺ يتعامل مع أهله؟ كيف كان يقود الأمة؟ كيف صبر على الابتلاءات؟ فإذا وجد الإجابة، عرف أن الاحتفال ليس يوماً بل أسلوب حياة”.
قدوة في الأخلاق.. “الصادق الأمين”
قال الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. ويشير د. سرحان إلى أن أعظم ما نحتاجه اليوم هو استعادة الصدق والأمانة:
“لقد كان النبي ﷺ قدوة في الأمانة حتى قبل البعثة، واليوم واجب على كل مسلم أن يحافظ على هذه القيم في العمل والدراسة والمعاملات لتحقيق مستقبل أفضل نحو المجتمع”.
مدرسة في الصبر والتحمل
تحمل ﷺ الأذى والظلم، وصبر على الحصار والجوع والطرد، ومع ذلك دعا لمسيئيه بالهداية.
يقول الشاب محمد عصام (خريج): “حين أقرأ عن صبر النبي في الطائف أو عن حصاره في مكة، أشعر أن كل همومي وصعوباتي تهون. هذا ما يعطيني القوة”.
القيادة بالرحمة والشورى
كان ﷺ قائدًا يجمع بين الحزم والرحمة، يشاور أصحابه، ويضع مصلحة الأمة فوق مصلحته الشخصية.
الشيخ علي بدران: “هنا نتعلم أن القيادة في الإسلام مشاركة وعدل ورحمة، وهو أيضا مسئولية على الجميع نحو مجتمعنا”.

الأسوة في البيت والمجتمع
كان ﷺ قريبًا من أهله، رحيمًا بأبنائه وأحفاده، متواضعًا في بيته. وكان يحسن إلى جيرانه، ولو كانوا غير مسلمين.
وتقول فاطمة (طالبة ثانوي): “أتعلم من النبي كيف كان رحيمًا بأسرته، وأحاول أساعد أمي في البيت وأعامل إخوتي بلطف”.
خلاصة التحقيق.. المولد ليس يومًا بل منهج حياة
الرسول ﷺ هو القدوة الكاملة في العبادة والأخلاق والصبر والقيادة والحياة الأسرية. والاحتفال الحقيقي بمولده هو أن نترجم محبته إلى سلوك يومي.
يختم الشيخ علي بدران بقوله:
“فلنجعل سيرته نبراسًا نهتدي به، حتى نلقاه عند الحوض، فنشرب من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدًا”.
