أخبار

التبرعات الإلكترونية بين الشريعة والاقتصاد: جدل شرعي وتجارب إنسانية

 

تقرير: مصطفى علي

مع تسارع التحولات التكنولوجية، أصبحت الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية، ولم يعد العمل الخيري بمنأى عن هذه الطفرة الرقمية اليوم، بضغطة زر واحدة، يمكن لأي مسلم أن يرسل صدقة أو زكاة إلى جمعية خيرية أو مستشفى أو أسرة فقيرة في أي مكان بالعالم.
هذه الظاهرة، التي يطلق عليها “التبرعات الإلكترونية”، أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الفقهية والاقتصادية والاجتماعية، بين من يراها أداة عصرية تعزز مقاصد الشريعة الإسلامية.

الفقه الإسلامي والتقنيات الحديثة: هل من تعارض؟

الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط دقيقة للتصرف في الأموال، سواء كانت زكاة أو صدقات أو أوقافًا لكن السؤال الذي برز مع الثورة الرقمية: هل يمكن للتحويلات الإلكترونية أن تحمل الحكم نفسه الذي تحمله التبرعات النقدية المباشرة؟

الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، ومعظم الهيئات الدينية، أكدوا أن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم تخالف نصًا شرعيًا صريحًا وعليه، فإن التبرعات عبر التطبيقات والمحافظ الإلكترونية جائزة شرعًا إذا كانت تصل بالفعل إلى مستحقيها عبر قنوات آمنة وموثوقة.
علماء الفقه أوضحوا أن الوسيلة لا تُغيّر من الحكم، فالتكنولوجيا مجرد أداة جديدة لتفعيل مقاصد قديمة، في مقدمتها التكافل الاجتماعي وإغاثة المحتاجين.

الأثر الاقتصادي: تدفق مالي عابر للحدود

لم يعد الأمر مقتصرًا على صدقات فردية متفرقة، بل تحول إلى منظومة اقتصادية متكاملة تقارير مالية حديثة تشير إلى أن حجم التبرعات الرقمية في العالم الإسلامي تضاعف خلال العقد الأخير، خصوصًا بعد دخول المؤسسات الكبرى في مجال الدفع الإلكتروني.

في مصر، أطلقت الجمعيات الأهلية والهيئات الدينية حسابات رسمية عبر البنوك والمحافظ الإلكترونية، مما سهّل عملية الدفع حتى للفئات محدودة الدخل. وأدى ذلك إلى توسيع قاعدة المتبرعين، وتحويل التبرعات من مجرد إعانات عاجلة إلى رافد اقتصادي يدعم مشروعات تنموية كبرى، مثل إنشاء المستشفيات والمدارس، وتمويل برامج محو الأمية، إلى جانب مساعدة الأسر الفقيرة بشكل مباشر.

حكايات المتبرعين: عطاء بلا حدود

بعيدًا عن النصوص الفقهية والأرقام الاقتصادية، تبرز قصص إنسانية مؤثرة تكشف كيف غيّرت التبرعات الإلكترونية حياة كثيرين.

أم محمد من القاهرة: اعتادت أن تضع بضع جنيهات في صندوق المسجد، لكنها اليوم تخصّص جزءًا من معاشها الشهري لتحويله إلكترونيًا إلى مستشفى لعلاج مرضى السرطان وتقول إنها باتت مطمئنة أكثر لأنها تضمن وصول المال في لحظته إلى المحتاج.

شاب مغترب في الخليج: يحكي أنه كان يعاني من صعوبة في إرسال تبرعاته إلى أسر فقيرة في قريته بالصعيد، أما الآن فأصبح يحولها عبر المحافظ الإلكترونية في دقائق معدودة، ويتلقى تقارير إلكترونية عن أوجه صرفها.

طالب جامعي: بدأ التبرع بجنيهات قليلة عبر التطبيقات، ويرى أن الصدقة الإلكترونية قرّبته من شعيرة العطاء، حتى وهو يعاني من محدودية دخله.

هذه الشهادات تكشف عن بعد جديد في ثقافة التبرع، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على الأغنياء، بل صار متاحًا للجميع.

العلماء بين الحذر والثقة المشروطة

رغم الاتفاق العام على جواز التبرعات الإلكترونية، دعا علماء الفقه إلى الحذر من بعض المزالق، مشددين على عدة ضوابط أساسية:

1. الشفافية: أن تكون الجهة المتلقية مرخصة ومعروفة حتى لا يقع المتبرع ضحية نصب أو احتيال.

2. النية: يبقى الإخلاص أساس قبول العمل، سواء تم التبرع نقدًا أو إلكترونيًا.

3. التوثيق: ضرورة الاحتفاظ بسجلات التحويلات الإلكترونية باعتبارها إثباتًا ماليًا وشرعيًا.

دار الإفتاء المصرية بدورها أكدت في أكثر من فتوى أن الوسائل الحديثة لا تغير من حكم التبرع، شرط تحقق وصول المال إلى مستحقيه دون تلاعب أو خداع.

التحديات والمخاطر: بين الاحتيال والفجوة الرقمية

رغم الإيجابيات، تواجه التبرعات الإلكترونية تحديات خطيرة، أبرزها:

الاحتيال الإلكتروني: منصات وهمية تستغل عاطفة الناس الدينية لجمع الأموال بطرق غير شرعية.

غياب الرقابة: في بعض الدول، لا توجد قوانين صارمة تنظم حركة التبرعات الرقمية، مما يفتح الباب أمام إساءة استخدامها.

الفجوة الرقمية: لا يزال كثير من الفقراء خارج هذه المنظومة بسبب الأمية الرقمية أو ضعف الوصول إلى الإنترنت، ما يثير سؤال العدالة في توزيع العطاء.

البعد الروحي: الصدقة في عصر السرعة

يرى علماء النفس والاجتماع أن التبرع الإلكتروني لا يقل أثرًا على وجدان المسلم عن التبرع التقليدي، بل ربما يزيد من الشعور بالمسؤولية لأنه يُتيح التكرار والمتابعة بسهولة.
لكن بعض الوعاظ يحذرون من أن تفقد الصدقة بُعدها الإنساني المباشر، الذي كان يرسخه اللقاء بين المتبرع والمحتاج ومن هنا، يظل المطلوب هو التوازن بين استثمار الوسائل الحديثة والحفاظ على روح التكافل الاجتماعي الحي.

بين الفقه والاقتصاد والإنسان

أصبحت التبرعات الإلكترونية حلقة جديدة في سلسلة العطاء الإسلامي الممتدة عبر العصور. فهي ليست مجرد مسألة تقنية، بل نقطة التقاء بين الفقه الإسلامي والاقتصاد الرقمي والهمّ الإنساني. الشرع أقر مشروعيتها، الاقتصاد عزز أثرها، والتجارب الإنسانية منحتها بعدًا روحيًا متجددًا.
لكن يبقى التحدي الأكبر هو تعزيز الثقة، وضمان الشفافية، حتى تصل الأموال إلى مستحقيها بصدق وأمانة، وتظل الصدقة سواء عبر صندوق المسجد أو عبر الهاتف المحمول تجسيدًا لروح الإسلام في التكافل والإحسان.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى