تقرير: سمر صفي الدين
أشعل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد جدلًا سياسيًا واسعًا بعدما وصف استقلال إريتريا عام 1993 بأنه “خطأ تاريخي ينبغي تصحيحه”. مؤكدًا أن فقدان بلاده منافذها البحرية يمثل خسارة استراتيجية لا يمكن استمرارها.
وجاءت تصريحاته من أمام سد النهضة في توقيت حساس. لتفسر على نطاق واسع كرسالة تصعيدية تحمل ملامح إنكار لسيادة أسمرة، مع إيحاء بإمكانية إعادة النظر في الحدود المرسمة باتفاقات دولية سابقة.
رد إريتري صارم
في المقابل، ردت إريتريا عبر مندوبتها في الأمم المتحدة صوفيا تيسفامريام، التي وصفت تصريحات آبي أحمد بأنها “وهم إمبراطوري متكرر”. مؤكدة أن هذا الخطاب كان سببًا رئيسيًا في نزاعات دامية أرهقت المنطقة لعقود.
وأكدت أن الحدود المعترف بها دوليًا مقدسة وغير قابلة للتغيير. محذرة من أن إعادة إحياء هذا الخطاب قد تهدد استقرار القرن الأفريقي مجدداً.

آبي أحمد: “منذ ثلاثة عقود فقط كنا نمتلك منافذ بحرية على سواحل البحر الأحمر. والخطأ التاريخي الذي حدث ينبغي تصحيحه بيسر” (التلفزيون الإثيوبي)
دوافع إثيوبية ومطامع بحرية
ويرى محللون أن خطاب آبي أحمد يعكس رغبة في إعادة صياغة التاريخ السياسي لبلاده. خصوصًا أن قادة جبهة تيغراي قبلوا استقلال إريتريا دون ضمان منافذ بحرية لإثيوبيا.
وبينما يعتبر البعض أن حديثه يحمل طموحًا لاستعادة ميناء عصب أو الحصول على منفذ بحري دائم. يرى آخرون أنه مجرد دعاية سياسية لإعادة ترميم شرعية حكومته بعد سنوات من الصراعات الداخلية التي أضعفت الدولة.
هل هي مجرد نزوة خطابية؟
اللواء محمد عبد الواحد، الخبير العسكري ومستشار الأمن القومي، أوضح أن تصريحات آبي أحمد تحمل دلالات سياسية وجيوسياسية خطيرة، فهي ليست مجرد نزوة خطابية بل محاولة لإحياء “النزعة الإمبراطورية الإثيوبية”.
وأشار في تصريحات خاصة لـ”اليوم”، إلى أن إثيوبيا تاريخيًا ضمت أقاليم عديدة بالقوة، من بينها إريتريا، وتسعى اليوم لاستعادة نفوذها في الإقليم بمساعدة قوى غربية ترغب في تعزيز موقعها شرق أفريقيا.
وأضاف أن سلوك أديس أبابا يتسم بالتصعيد المستمر، سواء من خلال بناء السدود على أنهار مشتركة مع جيرانها أو إثارة نزاعات حدودية مع السودان والصومال وإريتريا.
دولة مشاكسة.. تهديدات إقليمية واسعة
في هذا السياق، حذر اللواء عبد الواحد من أن طموحات آبي أحمد محفوفة بالمخاطر، إذ قد تؤدي إلى إشعال نزاعات جديدة في القرن الأفريقي، أحد أكثر الأقاليم هشاشة في العالم.
وذكر بأن المنطقة شهدت انفصال إريتريا عن إثيوبيا، ثم انفصال جنوب السودان عن السودان، فضلًا عن النزعات الانفصالية في إثيوبيا والصومال والسودان.
وأكد أن إثيوبيا تنظر إليها دول الجوار باعتبارها “دولة مشاكسة”، وهو ما قد يدفع إلى تشكل تحالفات إقليمية مضادة لوقف تمددها.
أبعاد عسكرية ومصرية
ولفت الخبير الأمني إلى أن تشكيل إثيوبيا لقوات خفر سواحل رغم كونها دولة حبيسة يكشف عن نوايا عسكرية واضحة للتوسع نحو البحر الأحمر.
وأوضح أن هذه الخطوة تثير قلقًا بالغًا لمصر. خاصة أن الوجود البحري الإثيوبي المحتمل سيكون بالقرب من باب المندب ومدخل قناة السويس. ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري ومصالحه المائية والبحرية.
وأضاف أن الصفقة الإثيوبية مع “صوماليلاند” للحصول على موانئ تجارية وعسكرية مقابل الاعتراف بانفصالها تمثل خطرًا على وحدة الصومال، وقد تفتح الباب أمام موجة انفصالات جديدة في القرن الأفريقي.
أزمة مفتوحة على التصعيد
وبالمحصلة، تكشف تصريحات آبي أحمد الأخيرة عن مشروع سياسي وعسكري يتجاوز التنمية إلى فرض واقع استراتيجي جديد بالقوة، وهو ما يضع القرن الأفريقي أمام أزمة مفتوحة الاحتمالات.
ويرى اللواء عبد الواحد أن هذا المشروع قد يدفع المنطقة إلى تحالفات مضادة ويزيد من هشاشتها الأمنية. ليجعل من طموحات أديس أبابا خطراً يتجاوز حدودها ليهدد استقرار الإقليم بأكمله.
عقيدة آبي أحمد
اعتبر الباحث في الشأن الأفريقي ربيع أبو زامل أن تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، التي وصف فيها استقلال إريتريا بأنه “خطأ تاريخي”، لا يمكن قراءتها بمعزل عن العقيدة المرجعية التي تحكم فلسفته السياسية وسياسته الخارجية تجاه الجوار.
كما أوضح أبو زامل لـ”اليوم”، أن من الناحية الشخصية نرى أن تشكيل عقيدة آبي السياسية لم تأت من فراغ، فهي وليدة بيئته، خاصة تأثره بهمس والدته إليه في طفولته بأنه سيكون أحد ملوك إثيوبيا. إلى جانب إيمانه الديني وهو مسيحي خمسيني يؤمن بالقدرة على تحقيق المعجزات، وأنه مكلف من الرب بإعادة إحياء الإمبراطورية الإثيوبية. التي يمثل البحر الأحمر حدودها الجغرافية الطبيعية.
نزعة إمبراطورية ومزاعم تاريخية
وأشار أبو زامل إلى أن النخبة الإثيوبية تتبنى مزاعم قديمة تعتبر أن أديس أبابا تمتلك حقًا تاريخيًا في استعادة الأراضي الإريترية. وخاصة ميناء عصب، الذي يمثل مفتاح العودة إلى البحر.
ومنذ أن فقدت إثيوبيا ميزة الوصول البحري بعد استقلال إريتريا في التسعينات. تشكلت قناعة لدى صانع القرار الإثيوبي بأن هذه الخسارة لا بد أن تعوض، حتى ولو عبر خيارات صدامية.
تعبئة داخلية عبر العداء الخارجي
ويرى الباحث أن آبي أحمد يوظف خطابه العدائي ضد إريتريا في حشد قاعدة وطنية داخلية خلفه، خصوصًا في ظل التهديدات العميقة بتفكك الدولة الإثيوبية (البلقنة) نتيجة الحروب الأهلية والصراعات الإثنية ورغبة عدة قوميات في تقرير مصيرها.
كما أضاف أن هذه التوجهات تتزامن مع توترات حدودية متعددة مع السودان وإريتريا والصومال. ما يجعل إثيوبيا في مواجهة أزمات مفتوحة على أكثر من جبهة.
ثنائية تحكم فلسفة آبي
وأكد أبو زامل أن عقيدة آبي أحمد السياسية تقوم على ثنائية مركزية:
- الأولى: حتمية الوصول إلى البحر الأحمر، سواء عبر تسويات سياسية أو بالقوة العسكرية.
- الثانية: الاستخدام الأمثل لنهر النيل كأداة نفوذ إقليمي.
كما ربط بين هذه العقيدة ومشروع سد النهضة الذي جرى افتتاحه مؤخرًا، باعتباره رمزًا لإعادة صياغة المكانة الإثيوبية في محيطها.
أهداف تتجاوز الاقتصاد
وأشار أبو زامل إلى أن آبي أحمد لا يسعى فقط إلى تعويض الموانئ التجارية المتاحة لبلاده، مثل ميناء جيبوتي. بل يتطلع إلى ترسيخ وجود عسكري إثيوبي على سواحل البحر الأحمر.
وأوضح أن هذا المشروع التوسعي سيظل مرتبطًا ببقاء آبي أحمد في السلطة. ومن المرجح أن يواصل الدفع به باعتباره ركيزة لشرعيته السياسية وطموحه الإقليمي.




