جرائم الإنترنت في زمن «السوشيال».. سلاح خفي يهدد البيوت من خلف الشاشات

تحقيق- محمود عرفات
ما قبل عصر الإنترنت وتطور التكنولوجيا كانت الوسيلة التي يطارد بها الجاني ضحيته تتمثل في تهديد عن طريق سلاح يحمله، لكن الأمر الآن تطور كثيرا وصار أكثر سهولة من ذي قبل؛ إذ يستطيع أن يمارس الجريمة بشتى أنواعها وهو لم يبرح مكانه، حيث صارت الجرائم الإلكترونية وباءً يهدد أمن الأفراد والمؤسسات، وهي ذات أثر نفسي ومجتمعي، قد تزيد خطورتها عن الجرائم التقليدية.
تنامٍ مرعب للجرائم الرقمية
وفقًا لبيانات صادرة عن وزارة الداخلية، شهدت مصر زيادة ملحوظة في بلاغات الابتزاز الإلكتروني والتحرش الرقمي خلال العامين الماضيين، خصوصًا في فئة المراهقين والنساء، وكان آخر الجرائم البارزة القبض على هاكر سرق 100 ألف جنيه من فيزا الناقد الرياضي حسن المستكاوي.
تطور أدوات الجريمة
من جانبه قال “أحمد السخاوي” خبير أمن المعلومات إن تطور التكنولوجيا صار معه تطور ملحوظ في أدوات الجريمة سهلة الاستخدام سريعة الإنجاز، مشيرا إلى أن الهاكر ليس بالضرورة أن يكون عبقريا، إذ إن هناك أدوات متاحة تجعل اقتحام خصوصيات الآخرين مباحا دون شروط، مؤكدا أن المشكلة الأكبر تكمن في أن بعض المؤسسات لا يقومون بتأمين بياناتهم بشكل قوي، ما يجعله فريسة سهلة.

وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أنه قد حان الوقت لأن يتعلم “المستخدم البسيط أساسيات الأمان الرقمي، ومنها ألا يضغط على روابط غير واضحة، ولا يقوم بتحميل تطبيقات غير موثوقة، مؤكدًا على ضرورة عدم استخدام رقم سري واحد لكل المواقع، مع ضرورة تحديث البرامج باستمرار.
وتابع قائلًا: “أمن المعلومات مش رفاهية، بقت ضرورة يومية زي الحزام في العربية، اللي مش واعي إلكترونيًا معرض يكون ضحية في أي لحظة، حتى لو كان فاكر نفسه في أمان.”
من جهته قال شريف زاهر الخبير القانوني إن الجرائم الإلكترونية أصبحت كارثة حقيقية تدرج ضمن أخطر الجرائم المستحدثة، وذلك كونها تتم خلف الشاشات، ولا تُحصر في سرقة المال فقط، بل تمتد إلى السطو على معلومات وبيانات تمثل أهمية كبيرة لدى أصحابها.

وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن القانون رقم 175 لسنة 2018 لمكافحة جرائم تقنية المعلومات أقر عقوبات واضحة على الاختراق وسرقة الحسابات بالحبس مدة تبدأ من 6 شهور إلى 3 سنوات، وذكر أن الابتزاز الإلكتروني تكون عقوبته السجن من سنة إلى 5 سنوات، ونشر محتوى فاضح أو صور خاصة بدون إذن يعاقب عليه القانون كجريمة انتهاك خصوصية.
وأكد أنه لا بد على المواطن المتضرر ألا يتوانى عن التبليغ، وأن يعرف حقه، وهذا يحد من زيادة معدلات الجريمة ويمثل رادعا لمن تسول له نفسه ابتزاز الناس وانتهاك خصوصياتهم.
أضرار نفسية تؤدي إلى الاكتئاب
وعن الضرر النفسي الذي يتعرض له الشخص الذي وقع عليه جريمة إلكترونية كالتنمر والابتزاز قال عماد مخيمر أستاذ علم النفس وعميد آداب الزقازيق سابقا إن الإنسان الذي يتعرض للتنمر أو الابتزاز الإلكتروني يكون عرضة لفقدان الثقة في نفسه، وهو ما يجعله فريسة سهلة للاكتئاب الحاد، مؤكدًا أن كثير من الشباب أصبحوا غير قادرين على المواجهة بسبب نظرة المجتمع أو خوفهم من الفضيحة، مؤكدًا أن العلاج النفسي مهمة وضرورة لمثل هذه الحالات، لكن ينبغي تقديم الدعم اللازم من المجتمع والأسرة.

برامج توعوية نفسية وتربوية
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن الجرائم الإلكترونية تأتي انعكاسا لانحراف قديم في سلوكيات الأشخاص، لافتا إلى أن الجاني الإلكتروني هو شخص مريض يعاني من اضطرابات نفسية لا يستطيع أن يواجه الأشخاص في الواقع الحقيقي فيمارس ذلك إلكترونيا كونها مساحة آمنة من رؤية الناس، مؤكدا أن خطورة الجرائم الإلكترونية لا تتوقف عند الأثر المادي أو المعلوماتي فقط، بل تتجاوزها إلى أضرار نفسية حادة على الضحايا، خاصة في حالات التنمر، الابتزاز، أو التشهير، والتي قد تصل بالبعض إلى الاكتئاب أو الانتحار، مطالبا بضرورة وجود برامج توعية نفسية وتربوية للشباب، بجانب القوانين، للحد من هذه الظاهرة المتزايدة.
الجرائم الإلكترونية من كبائر الذنوب
وعن رأي الدين في الجرائم الإلكترونية قال هاني تمام أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر إن الإسلام حرم الخوض في أعراض الناس وصيانة السر، وعدم إيذائهم بأي طريقة ممكنة، حيث قال تعالى: “الإسلام “ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا”، مؤكدا أن الجرائم الإلكترونية المتمثلة في اختراق الخصوصية والابتزاز أو التنمر فهي من الكبائر كونها تشيع الفاحشة وتؤذي المسلم في نفسه وأهله، والنبي ﷺ قال: *”من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة”.

وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن الذي يسطو على أموال الناس عن طريق حيلة إلكترونية، أو يتحصل على صورة خاصة بدون علم صاحبه ليبتزَّه بها فإنه آثم عند الله ومخالف لدين الله، وعقوبته دنيوية وأخروية.
قصة واقعية
قالت ج. م. 18 سنة “كان واحد كلمني على إنستجرام، أخد ثقتي وبعدين طلب صور. ولما رفضت، بدأ يهددني بصوري اللي كان بيجمعها من حسابي. فضلت ساكتة، بس في الآخر حكيت لماما، وبلغنا. القبض عليه خلاني أحس إن لسه فيه أمان، بس الجرح النفسي لسه مش سهل.”
كيف نحمي أنفسنا؟
عدم مشاركة صور أو معلومات شخصية على الإنترنت
تفعيل المصادقة الثنائية لكل الحسابات
الإبلاغ فورًا عن أي تهديد على موقع وزارة الداخلية
توعية الأبناء والبنات بمخاطر الإنترنت
ختاما، مع تطور التكنولوجيا كل يوم، تظل الجرائم الإلكترونية في تزايد ملحوظ ينبغي معه وقفة حازمة وتكاتف مجتمعي من الجهات المعنية لردع من يمارسون ذلك خلف الشاشات، وهي مشكلة ليست فردية وإنما مشكلة اجتماعية تعود بالسلب على المجتمع ككل.