الرئيسيةعرب-وعالم

الدوحة تحت النار: الهجوم الإسرائيلي يزلزل المنطقة ويختبر الوساطة العربية والدولية

تقرير: هالة عبد الهادي- مروة محي الدين

في خطوة وُصفت بأنها تصعيد غير مسبوق في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، شنّت إسرائيل غارة جوية على العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفة مقر إقامة الدكتور “خليل الحية”- رئيس حركة حماس، الذي كان يجتمع فيه عدد من قياداتها، لمناقشة المقترح الأمريكي لوقف إطلاق النار في غزة، ما أدى لاستشهاد 5 من مرافقي الوفد بينهم “همام الحية وجهاد لبد”، وعنصر من قوات الأمن الداخلي القطري؛ فيما قالت الحركة في بيان لها أن الوفد نجا من المحاولة، وذلك في وقت تكثف فيه مصر وقطر جهودهما لإحياء المفاوضات.

إقرأ: الاحتلال ينتهك السيادة القطرية ويقتل أعضاء بارزين بحماس بالدوحة

وقد أعلنت حكومة الاحتلال مسؤوليتها عن العملية، مؤكدة أنها رد مباشر على هجوم مسلح في القدس، وأنها نُفذت بشكل مستقل. فيما قال البيت الأبيض أنه أُبلِغَ مسبقًا بالهجوم، نافيًا مشاركته في التخطيط أو التنفيذ، مكتفيًا بوصف الحادثة بأنها “مؤسفة”.

وقد علق اللواء أ.ح “محمد رشاد”- الوكيل الأسبق لجهاز المخابرات العامة، ورئيس ملف الشئون العسكرية الإسرائيلية، منذ نكسة 1967 حتى كامب ديفيد- في تصريحات خاصة لجريدة اليوم على الحدث، فقال: “ما حدث في الدوحة ليس إلا سلوك متهور من بنيامين نتنياهو، بهدف إفشال المفاوضات، حتى لا يكون هناك ما يلزمه، ويظل إطلاق النار مستمرًا في غزة؛ وعلى جانب آخر جاء هذا الفعل ردا على العملية الفدائية في القدس، وعمليات المقاومة المدوية في غزة، فتلك العمليات أصابته بالجنون، فأضحى يفعل أي شيء، لاسيما في ظل وجود دعم أمريكي مطلق، فمهما يفعل لن يجد من يحاسبه”.

وقد اتفق الأستاذ “أشرف أبو الهول”- مدير تحرير الأرقام والصحفي المتخصص في الشأن الفلسطيني- مع تلك الرؤية، فقال في تصريحات خاصة لليوم: “بالتأكيد هجوم إسرائيل على وفد حماس، واستهدافه خلال اجتماعه بالدوحة لبحث المقترح الجديد، الذي عرضه الجانب الأمريكي، عمل متعمد لإفشال المفاوضات، وبالتالي فتح الطريق ليكمل الاحتلال عملياته العسكرية في مدينة غزة وفي مناطق وسط القطاع، ويدمر ما تبقى منه، فقد كانت هناك اتصالات مع حماس، وضغوط من الوسطاء لتقبل المقترح الجديد، ولحظة الهجوم كان الاجتماع لبحث ذلك، وبالتالي لم تنتظر إسرائيل معرفة الرد، وما إذا كانت حماس ستوافق أم لا؟”

استهداف الوسيط وخيانة للثقة

نددت الدوحة بالهجوم بشدة، واعتبر “محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني”- رئيس الوزراء القطري: أن العملية تمثل “إرهاب دولة يهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي”، وانتهاكًا صارخًا للسيادة القطرية، موضحًا أن بلاده لم تتلق تحذيرًا مسبقًا بالهجوم، بل أُبلغت به بعد وقوعه بعشر دقائق، مشددا على حق بلاده في الرد، وأنها ستتعامل بحزم مع أي اختراق أمني لسيادتها، ولن تتراجع عن دورها الوسيط، على الرغم مما وصفه “بالخيانة الكاملة للثقة”.

كما وصف الهجوم بأنه تخريب لمحاولات السلام، مشيرًا إلى تعليق الوساطة القطرية في المفاوضات حول صفقة تبادل الأسرى بعد الغارة، نافيًا علم بلاده بدخول المقاتلات الإسرائيلية إلى مجالها الجوي قبل تنفيذ الهجوم، بسبب استخدام أسلحة متقدمة لم تكشفها أجهزة الرادار.

وفي ذلك يقول اللواء “رشاد”: “في اعتقادي أن تأثير ذلك الهجوم على الوساطة سيكون لفترة قصيرة، لاسيما وقطر عادت لتتحدث عن دعمها لجهود السلام في كل الأحوال، كما أن وقف إطلاق النار في غزة أضحى ضرورة لا مفر منها، ويجب أن تشارك فيه جميع الدول العربية خاصة قطر؛ كذلك تسعى الولايات المتحدة في ذات الاتجاه، ولكن بشروطها وشروط إسرائيل”.

وأضاف: “تحدث ترامب عن أن ما حدث فرصة لتحقيق السلام، لأنه يتصور أنه حينما يقضي على حماس، سيصبح المجال مفتوحًا أمامه، لتحقيق السلام الذي يريد، فيفرض شروطه ورؤيته على المقاومة وعلى الجميع”.

وقد اختلف “أبو الهول” مع تلك الرؤية، فقال: “حتى إن لم تنجح المحاولة في اغتيال القادة، من الصعب أن تعود المحادثات المفاوضات بشكل سريع، وسيمر وقت طويل قبل أن توافق حماس على العودة للتفاوض، وقبل أن توافق قطر على العودة للوساطة، وبالتالي ستستغل إسرائيل هذا الوقت لكي تكمل عدوانها على القطاع؛ إذ أنه من الملاحظ أن الهجوم تزامن مع مطالبة جيش الاحتلال سكان مدينة غزة بالكامل بمغادرتها، ما يعني أن كل شيء كان مخططًا، لكي تستمر الحرب، ويستمر تهجير الناس من القطاع”.

وأضاف: “بالنسبة لتصريحات البيت الأبيض ونفي قطر لها، إن كانت حقا أمريكا لا تريد الضربة، فأيهما أفضل أن تعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لتنفيذها، ثم تحذر قطر، أم أن تأمر نتنياهو بعدم تنفيذها؟ ومن هنا تكون تصريحات ترامب والبيت الأبيض محض محاولة لتهدئة قطر، والحفاظ على العلاقة الوثيقة بين واشنطن والدوحة، لكن في النهاية أمريكا أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل، ولديها علم بكل تفاصيل الضربة، ولا ننسى أن أكبر قاعدة أمريكية خارج الولايات المتحدة هي قاعدة العديد، الموجودة في قطر بكافةإمكانياتها في المراقبة والرصد، وبالتالي كان من المستحيل أن تدخل الطائرات الإسرائيلية للمجال الجوي، أو أن تطلق رصاصة واحدة، دون تنسيق مع الجيش الأمريكي الموجود في قطر على الأقل”.

غضب عربي ودولي 

أثارت الغارة الإسرائيلية على الدوحة ردود فعل دولية واسعة، حيث أدانت الأمم المتحدة الهجوم ووصفته بأنه خرق للقانون الدولي، محذرة من تأثيره السلبي على جهود التهدئة في المنطقة.

كما أدانت معظم الدول العربية الهجوم، واعتبرته انتهاكًا صارخًا للسيادة القطرية؛ فيما اعتبرت تركيا العملية مؤشرًا على تبني إسرائيل سياسة “الإرهاب الرسمي”؛ وشددت روسيا على أن الهجوم يمثل انتهاكًا جسيمًا لميثاق الأمم المتحدة، داعية الأطراف إلى ضبط النفس؛ بينما حذرت الصين من أن الضربة قد تؤدي إلى تصعيد جديد للتوترات في المنطقة؛ أما ألمانيا وبريطانيا وفرنسا فوصفت الهجوم بأنه غير مقبول، داعية إلى وقف فوري للنار والإفراج عن الرهائن.

وفي ذلك، قال “أبو الهول”: “في الوقت الحالي لا يمكن التعويل على ما يحدث في المستقبل، إنما نعول على ما يحدث، فهل خرج مجلس الأمن أو خرجت الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي ليأمر إسرائيل بوقف العدوان فورا؟ لا لم يحدث، هل صدر قرار أوروبي بتحويل نتنياهو وأعضاء حكومته للمحاكمة الآن؟ لم يحدث، وبالتالي كلها تصريحات جبر الخواطر، وفي النهاية لن يحدث أي شيء، وإسرائيل المستفيد من كل ما يحدث”.

إدانة مصرية 

أدانت وزارة الخارجية المصرية الهجوم، مؤكدة أنه يهدد الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب، ويشكّل تصعيدًا خطيرًا، كما أجرى الرئيس “عبد الفتاح السيسي” اتصالًا هاتفيًا بالأمير “تميم بن حمد آل ثاني”، أعرب خلاله عن إدانة واستنكار مصر الشديدين للهجوم، مؤكّدًا رفض مصر القاطع لأي انتهاك لسيادة الدولة الشقيقة.

وأوضح “محمد الشناوي”- المتحدث الرسمي باسم الرئاسة: أن “السيسي” شدد على تضامن مصر الكامل قيادةً وشعبًا مع قطر، في مواجهة هذا الاعتداء، واعتبره عدوانًا استفزازيًا على سيادة دولة عربية شقيقة وتهديدًا لأمنها وسلامتها، مؤكّدًا دعم مصر لإجراءات قطر لحماية أمنها واستقرارها.

ومن جانبه، أعرب الأمير “تميم” عن تقديره العميق لموقف مصر، مشيدًا بالعلاقات الأخوية بين البلدين والشعبين، و شدّد الجانبان على ضرورة تحرك المجتمع الدولي، لمحاسبة المتورطين، ووقف أي تجاوزات تهدد سيادة الدول والحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

ضربة تقلب موازين الصراع

يعد الهجوم الإسرائيلي على الدوحة الأول من نوعه، ضد دولة خليجية منذ بدء الحرب على غزة، كما أنه أول استهداف مباشر لقيادات حماس في الخارج، خلال مفاوضات وقف إطلاق النار.

لذا فهو تحولًا استراتيجيًا خطيرًا في الصراع الدائر، يكشف عن هشاشة جهود الوساطة الإقليمية. وفي المقابل، أكدت مصر وقطر التزامهما بالوساطة على الرغم من المخاطر، وهو ما قد يمنح المجتمع الدولي فرصة أخيرة لإعادة التوازن.

وقد علق “أبو الهول” على ذلك، فقال: “الأمر كله يتعلق بالولايات المتحدة، فهي الطرف الوحيد في العالم الذي يستطيع أن يضغط على إسرائيل، لوقف العدوان على الدول الأخرى، والقبول بالصفقة التي عرضتها مصر منذ يوم الثامن من أغسطس، فلو تم قبولها لتغيرت الأمور؛ قطر في النهاية لا تملك إجبار حماس، وقطر ومصر وسطاء، لكن الولايات المتحدة هي من تملك الإجبار على قبول الوساطة، حيث تعيش إسرائيل على دعمها السياسي والعسكري والمالي، ولا يمكن لها تنفيذ قرار بدون الدعم الأمريكي.

وعلى جانب آخر من حق قطر أن تغضب، ومن حقها أن تجمد المفاوضات، وأيضا من حقها أن تنسق مع الدول الأخرى لاتخاذ مواقف ضد إسرائيل، لكن في النهاية القرار لا يتم بدون موافقة أمريكية واضحة؛ والرئيس الأمريكي يرى أن هذا الهجوم سيخيف قادة حماس، ويدفعهم لقبول شروطه، بما فيها تسليم الأسرى وتسليم السلاح والخروج من غزة”

مجمل الحدث يقول: إن المرحلة المقبلة ستتطلب جهدًا دبلوماسيًا مكثفًا من القوى الكبرى، مع ضرورة وقف التصعيد الإسرائيلي، وإعادة الثقة بين الأطراف، لإنقاذ ما تبقى من مسار السلام، وتجنب إدخال المنطقة في دوامة جديدة من العنف.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى