كلمات في القران الكريم من أصل مصري.. وأخرى من زمن القدماء لا زالت في القاموس

تحقيق- عماد نصير:
لا يختلف المجتمع العلمي والمعرفي أبدا في توصيف الحضارة المصرية القديمة على أنها قاطرة المعرفة، أو أنها ركيزة التاريخ البشري، تركت بصماتها على العالم. من الأهرامات إلى المعابد، ومن الكتابة الهيروغليفية إلى الفنون.
ومما يدلل على ثراء المجتمع المصري القديم هو نبوغ علمائه في العدد من العلوم التجريبية الحديثة، والتي امتدت جذورها منذ عصر ما قبل الأسرات، وهي كثيرة وغزيرة في مجموعها، إلا أن العقلية المصرية قد برعت في بعضها بشكل لافت أكثر من البعض الآخر، ما حدا بها أن توصف بأنها منبع العلوم والبذرة التي أنتجت شجرة العلوم بشكلها المعاصر، مثل علم الفلك الذي تطور لإنشاء تقويم شمسي دقيق وتحديد الكواكب، والطب الذي شهد ظهور أول طبيب في التاريخ وممارسات علاجية متقدمة، والهندسة المستخدمة في بناء الأهرامات وتحديد الأراضي الزراعية، والكيمياء التي نشأت من خلال ممارسات التحنيط والصبغات، وعلم الرياضيات في حساب الأراضي والبيانات، إضافة إلى اكتشافات حديثة مثل أول تسلسل جينوم كامل لمصري قديم تم مؤخراً.
ولعل غزارة المفردات في اللغة المصرية القديمة ساهم بشكل كبير في إنماء العلوم وتطورها، ما أسهم في الطفرة العلمية والحضارية التي عاشها المصري القديم، ونقف اليوم شهودا على بقايا أطلالها عاجزين حتى عن تفسير ماهية بعض مخرجاتها الإعجازية بالرغم من كوننا في عصر الحوسبة والأتمتة.
كلمات ذكرت في القران الكريم جذورها مصرية
هناك العديد من الأمثلة على أن اللغة العربية قد اكتسبت العديد من مفرداتها من اللغة المصرية القديمة، ولا يمثل ذلك انتقاصا من حجم اللغة العربية ومكانتها، بل هي بمثابة الوعاء اللذي استوعب العديد من اللغات أيضا، ولا عجب في ذلك إذا علمنا أن المصرية القديمة أقدم من اللغة العربية بحوالي 3500:4000 سنة، وأن دراسة العلوم تم باللغة المصرية القديمة وليس بغيرها.
ومما يثبت صحة الطرح هو ما أعلنه علماء اللغة والباحثين في أصل اللغات، من أن القرآن الكريم ساق كلمات لها جذر في اللغة المصرية القديمة، مثال:
كلمة “صواع” في قوله (صواع الملك)، وكلمة “بكة” وهي كلمة مصرية قديمة كما يقول د.نديم عبدالشافى السيار فى كتابه «المصريون القدماء أول الحنفاء، كما نجد فى «أخبار مكة للأرزقى ص 280»: كان على تخوم مصر القديمة، إقليم اسمه «بكة»، وإشارة مرسومة على هيئة منزل، وهو ما يقول به أيضا دكتور وسيم السيسي الباحث في تاريخ مصر القديمة، صاحب الفضل في ربط العديد من العلوم والمسميات باللغة المصرية القديمة.
حتى أن اسم النبي موسى له أصل مصري كونه نشأ وتربى في بيت حاكم مصر، فنجد أن اسم موسى ذاته يعني (المتتشل من الماء) وقيل معناه (ابن الماء والشجر) حيث أن كلمة “مو” تعني الماء، وهناك أيضا كلمة “يم” والتي كانت تستعمل في المصرية القديمة للإشارة إلى البحر، وهناك منطقة بها خلجان مائية بالقرب من خليج السويس كانت تسمى “يم سوف” وهي الأقرب جغرافيا لموقع الحدث.
وهناك أيضا كلمة “نبي” ذات الجذر اللغوي المصري، وهي من كلمة “نب” التي عني “سيد”، حيث لم يكن المصريون يستعملون حروف العلة مثل الياء، وعليها تكون كلمة (نبي خت) أي السيد الذي يؤدي طقوس السماء، أو ينقل تعاليم السماء.
“عير” التي وردت في قصة النبي يوسف، عير حر معناها أيها السادة، غياب العديد من المخارج الصوتية لدى المترجمين أدى لوجود اسماء غير واقعية، وهناك كلمة “تمساح” تأتي من الكلمة الهيروغليفية “تمسا”، وكلمة “دلو” تأتي من “دري” أو “دلو”، وكلمة “واد” تأتي من المفردة المصرية “وات” بمعنى وادي.
نسوق أمثلة أخرى على جذور كلمات مصرية تسللت إلى العربية من بينها كلمة “عير” التي وردت في قصدنا سيدنا يوسف أيضا، فالبعض يقول بأنها تطلق على ما يتم ركوبه من الدواب وهذا خطأ، فسياق الخطاب القرآني “أيتها العير إنكم لسارقون”، من المفترض أنه لعاقل، والعير هنا غير عاقل، كما أن “عير حر” في المصرية القديمة تعني السادة الحضور.
كذلك كلمة “هيت لك”، فهي لفظة غير عربية واجتهد المفسرون في تقريب معناها بما يتناسب وسياق الآية الكريمة، إلا أنها ذات دلالة صريحة في اللغة المصرية القديمة حيث تعني صراحة “تعريت” أو نزعت ثيابي، ونجد أيضا كلمة “حصحص”، ومعناها أشرق واتضح وتجلى، وتلفظ في المصرية القديمة “هسهس”.
أضف إلى ذلك كلمة “تنيا” وهي من الفعل “ونى” المصري بمعنى تراجع وتقهقر، نجد كذلك كلمة “شهاب قبس” أي كتلة النار، كذلك “هامان” ويقابلها في المصرية القديمة “هم نتشر” وهو كبير الكهنة، كذلك “السامري” ومنها جاءت سمير أي صديق أو رفيق، كذلك أيضا كلمة “صبور” وكانت تطلق على كبير القضاة أو اسم من أسماء الإله، والأمثلة كثيرة ومتعددة ولا يتسع لها المقام.
عدد الكلمات المشتركة بين المصرية القديمة والعربية الفصحى؟
لا يوجد على وجه الدقة حصر أو إحصاء ثابت ودقيق لعدد الكلمات العربية ذات الأصول المصرية، وهنا بالمناسبة لا ننتقص من مكانة العربية، فالأحدث هو من ينقل عن الأقدم، والمصرية القديمة أقدم بحوالي 40 قرنا، وتمتاز العربية هنا أنها استوعبت العديد من اللغات التي فنت واندثرت، وبقيت العربية حتى يومنا هذا، وما نقل إليها من غيرها تم تعريبه وأصبح له جذر لغوي، وبالرجوع إلى الأمثلة السابقة من المفردات المطروحة، نجد أن هناك مئات المفردات التي انتقلت بين اللغتين، وربما يتم الكشف عن المزيد مسبقا، حيث أن مترجموا اللغة المصرية القديمة لم يكونو على دراية بحروف العلة مثلا، كما أن لسانهم مختلف ولا يستطيع أن ينطق العديد من الحروف الهيروغليفية مثل الحاء والخاء والعين والعين والصاد وغيرها.
كلمات مصرية قديمة لا زالت في قاموس المصرين
ومما يؤكد على ثراء اللغة المصرية القديمة، وبخلاف المرادفات التي تنعش وتثري اللغة العربية، فهناك مئات المفردات التي نتداولها حتى يومنا هذا، وهي وفق المختصين من علماء المصريات، قد تصل إلى 130 ألف كلمة مصرية قديمة، أي أن عمرها يتخطى حاجز 7000 سنة.
ما يؤكد على أننا كمصريين نتحدث باللغة المصرية القديمة والتي صاغتها وحفظتها خطوط هيروغليفية وهيراطيقية وديموطيقية، لتحفظ بعد ذلك بخليط من الديموطيقية والإغريقية وهي ما تعرف باللغة القبطية، وأصبحت مفردات ضمن لهجتنا العامية التي يتوارثها الأجيال.. والكلمات التي مازال يستخدمها المصريون حتى اليوم.. ومنها :
“كُخّة” وتعني قذارة، “متمّس” يعني مدمس وهي تسوية الفول، “رُخّي” من “يا مطرة رُخّي” يعني إنزلي، “مكحكح” وتعني عجوز شاب شعره، “بطح” أصلها “بتح” بالمصرية القديمة وهي الضرب على الرأس، “بُعبع” أصلها بالمصرية القديمة “بوبو” وكان عفريت تخيّلي لتخويف الأطفال، “طنّش” هي ذاتها بالمصرية القديمة ومعناها لا استجابة، “خَمّ” معناها خدع أو إحتال، “ياما” معناها كتير ووفير، “هوسا” و “دوشا” معناهما صخب وضجيج، “كركر”وتعني الضحك بصوت عال، وتأتي أيضا كلمة “تا تا” ومعناها مشي خطوة خطوة، “نونو” معناها طفل، ثم كلمة “إمبو” و “مم” معناهم أكل وشرب، “تف” و “نف” معناهم البصق ومخاط الأنف، “كاني وماني” معناهما اللبن و العسل إشارة لحواديت المصريين القدماء و كلامهم، “مم” معناها أمر بالأكل.
وهكذا كلمة “بطّط” معناها طحن و سحق، “ها” معناها استفهامي بمعنى “نعم”, “مين” معناها شخص مجهول، وهي أقرب حاليا لكلمة من الاستفهامية، “سُخام” معناها قذارة،”بسبس” لمناداة القطط وأصلها “بست” معبودة الحماية والقطط، “شبشب” أصلها “تشب تشب” معناها صوت خطوات الماشي و مقاس رجله، “حات” يعني لحمة ومنها كلمة “حياتي”، “حتتك بتتك” يعني فلان نزل إلى الطعام بنهم، “لايس” بالمصرية القديمة معناها “مطيّن” أي يعمل في الطين، ومنها يبقى “لايص” يعني أحواله سيئة، “بسارة” وتعنى البصارة وهي الفول المطبوخ،
وهناك أيضا الكلمة الشائعة “سهد” وأصبحت “صهد” ومعناها اللهيب، “باش” بمعنى لان أو “طري” و”حكاو” ومعناها “حكاية”، وتأتي أيضا العديد من المفردات الشائعة في الشارع المصري وغيره مثل كلمة “مرت” معناها “ست البيت” أو ربة المنزل، و”حبّة” و معناها “شوية” وأيضا “بح” وتعني إنتهى، و”برش” وتعني بقعة.
كذلك كلمة “ياد” التي كانت تُطلق على الطفل الشقي. و بقت “يا ولد”، و”بشبش” يعني تليين الطوب الماء وهي أصل “بشبش الطوبة الي تحت راسه”، ومنها أيضا “شأشأ” معناها خروج النهار، وكذلك “ترلال” تعني الشخص خفيف العقل وغير المتزن.
لغات عالمية فقيرة من حيث عدد المفردات
بالرجوع إلى قاموس الأكاديمية الفرنسية (Académie Française) فإنه يحتوي على حوالي 100.000:150.000 ألف كلمة فقط، في حين أن المستخدم منها في الغالب لا يتجاوز 30.000 مفردة.
أما اللغة الإنجليزية فيُقدَّر أن فيها أكثر من 600 ألف كلمة، أو يزيد قليلا، كما تشكل مفردات اللغة الكردية مثلا حوالي 735.000 كلمة تقريبا، واللغة السويدية على حوالي 600.000 مفردة تقريبا، في حين أن اللغة الآيسلندية تضم حوالي 560.000 مفردة، والإيطالية واليابانية تضمان حوالي 500.000 كلمة، وتتناقص هذه الأرقام في لغات مثل الهولندية حيث تضم حوالي 400.000 كلمة والصينية على حوالي 378.000 مفردة فقط، لنجد أن لغة مثل الفارسية لا تضم سوى حوالي 343.000 مفردة، واللغة الألمانية حوالي 330.000 الف مفردة فقط، واللغة الأوكرانية 253.000 كلمة فقط، لتضم لغة مثل الهندية حوالي 183.000 كلمة فقط، لتأتي مثل الإنجوشية بحصيلة لا تتجاوز 12.000مفردة فقط.
نخلص من هذا السرد التقريبي أن العامية المصرية والتي تضم قرابة 130.000 كلمة، توارثناها من اللسان المصري القديم، أثرى من كثير من اللغات التي قامت عليها حضارات، وما زالت تسجل بها علومها في جامعاتها حتى يومنا هذا، فإذا احتسبنا هذا إلى جانب الحصيلة اللغوية من مفردات العربية، هنا سيزول العجب من كون اللهجة المصرية هي الأكثر تأثيرا على الشارع العربي، والأكثر إلماما وسرعة في توصيل المفاهيم والتعامل بين الشعوب العربية، ولا عجب حينئذ في كون مواطني دول شمال إفريقيا يتواصلون مع الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي باللهجة المصرية، كون العديد يتقنها، ولا نغفل أنها إحدى أدوات القوى الناعمة لمصر.


