التسامح في مواجهة الكراهية.. كيف يقود مرصد الأزهر معركة الوعي عالميًا؟

تحقيق: مصطفى علي
في زمن تتسارع فيه الأزمات العالمية، من حروب وصراعات مسلحة إلى نزاعات أيديولوجية وخطابات كراهية، يظل التحدي الأكبر أمام الإنسانية هو مواجهة التطرف والإسلاموفوبيا فقد تحولت هذه الظواهر من نقاشات هامشية إلى قضايا عالمية تهدد السلم الاجتماعي وتغذي دوائر العنف.
في قلب القاهرة، وبجوار منارة الأزهر الشريف، انطلق عام 2015 مرصد الأزهر لمكافحة التطرف ليكون منصة فكرية رائدة، تحمل على عاتقها مهمة مواجهة الفكر المنحرف، ونشر خطاب التسامح والوسطية، وبناء جدار وعي يحمي الشباب من الانجرار وراء تيارات التطرف أو الكراهية.
جاء تأسيس المرصد برعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، ليؤكد أن المعركة ضد الإرهاب تبدأ من العقل قبل السلاح فالمؤسسة العريقة أدركت مبكرًا أن مواجهة الفكر الظلامي تحتاج إلى أدوات جديدة، تواكب تطور وسائل الإعلام التقليدية والرقمية.
ومنذ يومه الأول، تبنى المرصد استراتيجية تقوم على المتابعة والرصد والتحليل والتفنيد، معتمدًا على خبرات باحثين متخصصين يتابعون على مدار الساعة ما يُنشر عبر مختلف المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي.
رهام سلامة: مواجهة الفكر المتطرف وكشف زيف الصهيونية
تقول الدكتورة رهام سلامة، مديرة مرصد الأزهر:
“يقوم عمل المرصد على مراقبة الخطابات المتطرفة، وأغلبها ذو طابع صهيوني، مع فضح حملات تشويه الإسلام التي تزرع الكراهية ضده وفي الوقت نفسه، نواجه الإرهاب بفكر أزهري أصيل يقوم على الرحمة والتعايش”.
وتؤكد أن المرصد أصبح اليوم مرجعًا فكريًا يحظى بالثقة محليًا ودوليًا، لأنه يقدم مادة موثقة، بلغة هادئة ورؤية علمية، بعيدًا عن المبالغات أو التحريض.
وأضافت مديرة المرصد، في تصريحاتها لـ “اليوم”، أن المرصد يتابع على مدار الساعة ما ينشر عبر الإعلام التقليدي والرقمي، ويواجهه بالمنهج الأزهري الوسطي القائم على الرحمة والتعايش، وهو ما يجعله مرجعا فكريا يحظى بالثقة على المستويين المحلي والدولي.
الإسلاموفوبيا.. الوجه الآخر للتطرف
لم يقتصر نشاط المرصد على مواجهة التنظيمات الإرهابية كداعش والقاعدة، بل اتسع ليشمل ظاهرة الإسلاموفوبيا المتنامية في الغرب هذه الظاهرة التي تدفع قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية إلى النظر للمسلمين كخطر، هي في نظر المرصد الوجه الآخر لعملة التطرف.
فكلاهما كما تقول تقارير المرصد يغذي الآخر؛ فخطاب الكراهية ضد المسلمين قد يولّد ردود فعل متطرفة، بينما تستغل التنظيمات الإرهابية هذه الكراهية لتبرير جرائمها ولهذا، يرى المرصد أن مواجهة الإسلاموفوبيا لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب.
إنجازات متعددة اللغات.. خطاب عالمي
أحد أبرز إنجازات المرصد أنه أدرك مبكرًا أن الحرب الفكرية لا بد أن تكون بلغات العالم لذلك، يصدر المرصد تقاريره وتحليلاته بعشر لغات مختلفة، بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والفارسية والعبرية، ليصل صوته إلى مختلف القارات.
وقد أنتج خلال السنوات الأخيرة آلاف التقارير، إلى جانب حملات إلكترونية استهدفت الشباب، وبرامج وثائقية وأدلة توعوية كما نظم ندوات داخلية وخارجية للتعريف بحقيقة الإسلام، وتفنيد المزاعم التي يروجها المتطرفون.
فلسطين.. في قلب الاهتمام
لم يغفل المرصد عن القضية الفلسطينية التي يصفها بأنها “قضية العرب والمسلمين الأولى”. فقد خصص فريقًا لمتابعة الخطاب الصهيوني في الإعلام الغربي والعربي، وكشف تناقضاته وأكاذيبه، وإعداد تقارير توثق جرائم الاحتلال وانتهاكاته.
تقول الدكتورة رهام سلامة:
“جزء من معركتنا هو فضح الخطابات الصهيونية المضللة التي تحاول طمس الهوية الفلسطينية أو تبرير العدوان نحن نعتبر دعم فلسطين واجبًا دينيًا وإنسانيًا لا يسقط بالتقادم”.
وبالفعل، نظم المرصد فعاليات دولية للتعريف بالقضية الفلسطينية، ونجح في بناء رأي عام داعم لعدالتها في العديد من الساحات الدولية.
خطاب التسامح.. معركة وعي لا سلاح
يُجمع المتابعون على أن أكبر ما يميز مرصد الأزهر هو أنه لا يواجه الكراهية بالكراهية، بل يقدم خطابًا بديلًا قوامه التسامح والعدل والرحمة.
فالمرصد يستند إلى منهج الأزهر الوسطي الذي يؤكد أن الإسلام دين سلام، قال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” (الأنبياء: 107).
هذا الخطاب يجعل المرصد محل تقدير عالمي، لأنه يقدم الإسلام بصورته الصحيحة، كدين يقود إلى التعايش لا الصدام.
التقييم.. ماذا بعد؟
بعد مرور ما يقارب عشر سنوات على تأسيسه، بات مرصد الأزهر لمكافحة التطرف علامة مضيئة في ساحة الوعي العالمي فقد استطاع أن يحصن الأجيال من الفكر المنحرف، وأن يقدم للعالم نموذجًا لمؤسسة دينية تستخدم الإعلام الحديث في الدفاع عن القيم الإنسانية العليا.
ومع تزايد التحديات، تبقى الحاجة ماسة لتطوير هذه الجهود، وتوسيع التعاون مع المؤسسات الدولية، حتى تستمر هذه المعركة الفكرية التي أثبتت أن الفكر لا يُهزم إلا بالفكر، وأن الوعي هو خط الدفاع الأول ضد كل أشكال التطرف والكراهية.


