
تقرير: سمر صفي الدين
نشرت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الفلسطينية حماس، اليوم الأحد، مقطع فيديو يوثق عملية عسكرية نوعية نفذها فصيل مشاة كامل ضد موقع عسكري إسرائيلي مستحدث جنوب شرق مدينة خان يونس بتاريخ 20 أغسطس 2025.
وأكدت الكتائب أن العملية مثلت نقلة نوعية في أسلوب القتال، حيث تضمنت اقتحامًا مباشرًا للموقع وسيطرة ميدانية استمرت لأكثر من نصف ساعة متواصلة، في وقت أوقع فيه المهاجمون قتلى وجرحى بين صفوف الجيش الإسرائيلي، ما جعلها العملية الأكبر منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023.

تفاصيل الاقتحام وأدوات القتال
من خلال الفيديو، أوضحت القسام أن فصيل المشاة تمكن من التقدم عبر استخدام نفق اقتحام للمرة الرابعة على التوالي في المنطقة ذاتها، وهو ما يعكس عجز الجيش الإسرائيلي عن اكتشاف البنية التحتية الهجومية للمقاومة.
وأثناء التوغل، استخدم المقاتلون عبوات “الشواظ” و”الياسين 105″ في استهداف دبابات من طراز “ميركافا 4″، رغم اعتمادها على أنظمة حماية متطورة.
وبعد ذلك، هاجمت القوة المهاجمة منازل محصنة كان يتحصن داخلها جنود الاحتلال، في مشاهد جسدت اشتباكًا مباشرًا من مسافة صفر، مع إلقاء قنابل يدوية داخل نقاط التحصين.
كما تضمن الهجوم استخدام الهاونات لإغلاق محيط العملية وتأمين الانسح
اب. وهو تكتيك اعتبره باحثون دليلًا على أن العملية لم تكن عشوائية أو انتحارية بحتة. بل جزء من خطة مركبة تهدف إلى إيقاع أكبر قدر من الخسائر مع الحفاظ على إمكانية العودة.
وظهر في الفيديو أيضًا أحد المقاتلين وهو يعرّف نفسه بصفته “استشهاديًا”. قبل أن ينفذ تفجيرًا داخل تجمع لقوات الإنقاذ الإسرائيلية التي هرعت لدعم الموقع. وهو ما أدى إلى سقوط المزيد من القتلى والجرحى.

إعلان استشهاد محمد السنوار
وفي خطوة بارزة، أكد المتحدث العسكري الملثم الذي قدم تفاصيل العملية، استشهاد القائد الميداني محمد السنوار خلال الهجوم، وهو الإعلان الأول من نوعه منذ أشهر طويلة من الجدل حول مصيره.
وكانت إسرائيل قد أعلنت في مايو الماضي اغتياله وانتشال جثمانه من نفق أسفل مستشفى غزة الأوروبي شرق رفح. فيما امتنعت حماس عن تأكيد أو نفي الخبر بشكل رسمي، مكتفية بإثارة الشكوك عبر بيانات متناقضة.
وبذلك جاء الفيديو الأخير بمثابة إعلان رسمي وواضح عن استشهاد السنوار، بما يحمله من رمزية كبيرة للحركة ولأنصارها.

القيادة قبل الجند
اعتبرت القسام أن مشاركة قيادات بارزة في الصفوف الأمامية، ومن بينهم السنوار، تعكس مبدأ “القيادة قبل الجند” الذي دأبت الحركة على إبراز حضوره في المعارك الكبرى.
وأشار المتحدث العسكري إلى أن استشهاد السنوار في قلب الاشتباك يعكس تجسيد القيادة في ساحة المواجهة المباشرة، ويمنح العملية بعدًا رمزيًا يتجاوز الإنجاز العسكري الميداني.
عملية مركبة واسعة النطاق
الباحث المتخصص في الشأن العسكري والأمني، رامي أبو زبيدة، قدم عبر منصة “شؤون عسكرية” قراءة موسعة للعملية، أوضح فيها أن تفاصيل بيان القسام تعكس أننا أمام “عملية مركبة واسعة النطاق”. لا مجرد اشتباك محدود كما حاولت الرواية الإسرائيلية تصويرها.
وأكد أن مشاركة فصيل مشاة كامل بحجم وقدرات متنوعة. ونجاحه في السيطرة على الموقع لوقت طويل، يرفع من مستوى العملية إلى هجوم ميداني منظم.
وأشار أبو زبيدة إلى أن العملية أظهرت تكاملًا بين أسلحة متعددة:
-
- مضاد الدروع باستخدام “الشواظ” و”الياسين”.
- القنص النوعي الذي استهدف قائد دبابة.
- استخدام المشاة في اقتحام المباني.
- إطلاق الهاونات لإغلاق محيط الاشتباك.
- التفجير الاستشهادي كمرحلة ختامية.
واعتبر أن هذا التدرج يعكس منهجية “المعركة المركبة”، أي تكامل عدة أنماط من القتال ضمن خطة واحدة، بما ينفي العشوائية عن أسلوب المقاومة.

دلالات استراتيجية ونفسية
بحسب القراءة العسكرية، فإن العملية تشكل رسالة مزدوجة.
أولاً، للجيش الإسرائيلي بأن لا منطقة في غزة يمكن اعتبارها آمنة بالكامل، حتى المواقع المحصنة والمستحدثة تبقى عرضة للاختراق.
وثانياً، للجمهور الفلسطيني والعربي بأن المقاومة ما زالت تحتفظ بالقدرة على المبادرة بعد عامين من الحرب المستمرة، بما يقوّض سردية “إضعاف القدرات” التي تروّجها إسرائيل.
كما رأى الباحث أن الأثر النفسي للعملية لا يقل عن تأثيرها الميداني. إذ إن مشاهد سقوط قتلى وجهًا لوجه وعمليات التفجير المباشر وسط القوات. تترك أثرًا بالغًا على معنويات الجنود الإسرائيليين وتزيد الضغط على القيادة السياسية والعسكرية التي وعدت بإنهاء خطر غزة.

