د. محمد جمعة يكتب: أمريكا تضع العالم فوق البركان

الحديث عن الوضع العالمي الراهن يشبه الحديث عن بركان هادر تتصاعد من فوهته أدخنة التوترات والصراعات فيما تقف البشرية جمعاء على سفوحه تتساءل بقلق: هل نحن على شفا حرب عالمية ثالثة؟ وما دور القوة العظمى متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المشهد المليء بالتناقضات والمخاطر؟
لا يخفى على أي مراقب أن العالم يعيش مرحلة انتقالية عصيبة تتشكل فيها ملامح نظام دولي جديد متعدد الأقطاب فلم تعد الهيمنة الأمريكية المطلقة التي سادت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أمراً مسلماً به. فبروز قوى صاعدة مثل الصين وروسيا وتنامي دور تجمعات إقليمية فضلاً عن التحديات العابرة للحدود كالأزمات الاقتصادية والأوبئة والتغير المناخي كلها عوامل تهز أركان النظام الأحادي القطبية.
وفي هذا الخضم، نجد أن السياسة الخارجية الأمريكية خاصة في العقود الأخيرة لعبت دوراً محورياً في إذكاء نيران العديد من الصراعات مما يضع مستقبل البشرية على المحك فعلياً. ويمكننا رصد ذلك في عدة مسارح:
أولاً: السياسة الانتقائية ومحاولة فرض الهيمنة تعتمد واشنطن في سياستها الخارجية على معايير انتقائية. فبينما تتدخل عسكرياً أو تفرض عقوبات اقتصادية مدمرة على دول تحت ذرائع مثل “حماية الديمقراطية” أو “منع انتشار أسلحة الدمار الشامل” تتغاضى عن انتهاكات مماثلة أو أسوأ عندما ترتكبها حلفاؤها. هذه الازدواجية في المعايير تقوض شرعية القانون الدولي وتغذي الشعور بالمظلومية والغضب.
ثانياً: المسارح الساخنة.. من أوكرانيا إلى تايوان والشرق الأوسط
· ففي أوكرانيا: يرى كثيرون أن توسع حلف الناتو شرقاً بدفع من واشنطن تجاه الحدود الروسية كان شرارة إشعال الأزمة الأوكرانية. بينما تبرر الولايات المتحدة دعمها لأوكرانيا بمواجهة “العدوان الروسي” ترى موسكو ذلك محاولة للتقويض على أمنها القومي وإحاطتها. هذا الصراع بالوكالة تحول إلى حرب استنزاف خطيرة مع تبادل التهديدات النووية الذي يذكر العالم بأيام الحرب الباردة الأكثر قتامة.
وفي تايوان: التحركات الأمريكية الأخيرة من زيارة نانسي بيلوسي للجزيرة إلى زيادة التسليح تلامس أخطر نقطة في العلاقات الأمريكية-الصينية حيث تعتبر بكين تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها وأي دعم أمريكي لـ”استقلال تايوان” يعتبر خطاً أحمر. التصعيد هنا قد يفتح جبهة مواجهة مباشرة بين أكبر قوتين نوويتين في العالم وهو سيناريو كارثي .
· الشرق الأوسط: لطالما كان المنطقة ساحة للتدخل الأمريكي المباشر وغير المباشر من غزو العراق 2003 على أسس مزورة إلى العقوبات الخانقة على إيران والدعم غير المشروط لإسرائيل الذي يستمر رغم انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي. هذه السياسات ساهمت في تفكيك دول وتمزيق النسيج الاجتماعي وخلق بيئة خصبة للجماعات المتطرفة التي صنعتها أمريكا ومولت أنشطتها الاجرامية مما أضاع فرص تحقيق الاستقرار والسلام.
ثالثاً: حروب الجيل الجديد.. الاقتصاد والتكنولوجيا ليست الحروب بالسلاح التقليدي وحدها هي الخطر حيث تشن واشنطن حروباً اقتصادية باستخدام العقوبات كسلاح لخنق اقتصادات دول وتجويع شعوبها لإجبارها على الرضوخ. كما أن حرب التكنولوجيا خاصة في مجال أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي هي معركة السيطرة على المستقبل. استخدام الولايات المتحدة لهذه الأدوات يخلق انقسامات تكنولوجية ويعمق الفجوة بين الكتل المتصارعة.
الخلاصة: هل نحن على حافة الهاوية؟
نعم العالم اليوم يشبه مرجل الضغط العالي. تراكم الصراعات وانهيار الثقة بين القوى العظمى وسباق التسلح وصعود الخطاب القومي المتشدد، كلها عناصر تشبه تلك التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية.
إن ما تقوم به أمريكا في سياق محاولتها اليائسة للحفاظ على هيمنتها ليس السبب الوحيد لكنه عامل رئيسي في دفع العالم نحو حافة الهاوية وسياسة “فرق تسد”، والانحياز الأعمى والتدخل في الشؤون الداخلية وإضعاف المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، جميعها تسلب العالم أدواته للحوار والتسوية السلمية
إن تجنب حرب عالمية ثالثة لن تكون نتائجها كارثية على المتنازعين فقط، بل على البشرية جمعاء يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف وعلى رأسها الولايات المتحدة:
وعليه يجب علي الولايات المتحدة الأمريكية:-
1. التحول من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة: الاعتراف بتعدد الأقطاب والعمل على بناء نظام دولي أكثر توازناً يحترم مصالح جميع الدول.
2. إحياء الدبلوماسية: إعطاء الأولوية للحلول السياسية عبر التفاوض في كل الملفات الساخنة، والتراجع عن سياسة فرض الأمر الواقع.
3. احترام القانون الدولي: التوقف عن السياسات الانتقائية وتطبيق مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية بشكل متسق وعادل.
4. تعزيز الحوار بين الحضارات: بدلاً من نظرية صراع الحضارات، يجب العمل على فهم الآخر واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية.
و الخيار ليس بين انتصار قوة وهزيمة أخرى بل بين مستقبل تتعاون فيه البشرية لمواجهة تحدياتها الحقيقية من فقر ومرض وتلوث أو مستقبل تدفن فيه نفسها تحت أنقاض حرب لا تبقي ولا تذر. الساعة تدق والعقلاء مطالبون بسماع دقاتها قبل فوات الأوان.




